جريدة إلكترونية مغربية

10 أكتوبر | اليوم العالمي للصحة النفسية

حين تعجز الكلمات، يتحدث الفن.. من أجل صحة نفسية بلا وصمة

بقلم المبدعة: الأستاذة لطيفة بنعاشير

 

لسنا بخير دائما، ولا ينبغي أن نجبر على التظاهر بأننا بخير.

 

خلف بعض الابتسامات حكايات لا تروى، وخلف الصمت معارك لا يراها أحد، وخلف ضحكات كثيرة معاناة لا تجد من ينصت إليها. وبين ضغوط الحياة اليومية، وتزايد الأعباء الاقتصادية والاجتماعية والأسرية، والقلق بشأن المستقبل، يجد كثيرون أنفسهم أمام تحديات نفسية تتجاوز أحيانا قدرتهم على التحمل، في مجتمع لا يزال يطالب الإنسان بالصمود، دون أن يمنحه دائما المساحة الآمنة للتعبير عن ألمه أو طلب المساعدة.

 

في اليوم العالمي للصحة النفسية، لا يتعلق الأمر بمجرد مناسبة للاحتفاء أو رفع الشعارات، بل بضرورة طرح أسئلة حقيقية: كيف نحمي الصحة النفسية للأفراد؟ وما مسؤولية المؤسسات والمجتمع في مواجهة المعاناة النفسية؟ وهل نمنح الإنسان حقه في الرعاية والاحتواء قبل أن تتفاقم معاناته؟

 

ضغوط متزايدة وصمت تحكمه الوصمة

 

إن البطالة والهشاشة الاجتماعية وصعوبات الاندماج وغياب الفرص الكافية، إلى جانب الأعباء الأسرية والضغوط الاجتماعية، عوامل قد تؤثر في التوازن النفسي للأفراد، ولا سيما الشباب الذين يحاولون بناء مستقبلهم وسط واقع مليء بالتحديات.

 

وتزداد المعاناة تعقيدًا حين يجد الإنسان نفسه محاصرًا بالخوف من أحكام الآخرين، أو من أن يُختزل في اضطراب نفسي، بدل أن يُنظر إليه باعتباره إنسانًا له حقوق ومشاعر وإمكانات. فوصمة المرض النفسي لا تزيد المعاناة فحسب، بل قد تدفع بعض الأشخاص إلى إخفائها وتأجيل طلب المساعدة، خوفًا من التمييز أو الإقصاء.

 

إن الحديث عن الصحة النفسية يقتضي تجاوز النظرة التي تربط المعاناة النفسية بالضعف أو العجز، وترسيخ ثقافة تعتبر طلب المساعدة خطوة مسؤولة نحو الرعاية والتعافي، لا سببًا للخجل أو الانتقاص من قيمة الإنسان.

 

الشباب والمخدرات: الوقاية والعلاج بدل الوصم والإقصاء

 

في ظل هذه الضغوط، قد يلجأ بعض الشباب إلى المخدرات في محاولة للهروب من الألم أو تخفيف وطأة الواقع، غير أن هذا اللجوء قد يفاقم المعاناة ويُدخل الفرد وأسرته في دوامة من المشكلات الصحية والنفسية والاجتماعية.

 

ومع ذلك، لا يجوز اختزال ظاهرة الإدمان في تفسير واحد، أو اعتبار كل من يعاني منها شخصًا يبحث عن الهروب من الواقع؛ فلكل حالة ظروفها وعواملها الخاصة، التي تستدعي الفهم والتقييم والتدخل المناسب.

 

إن مواجهة المخدرات لا تتحقق بالتخويف وحده، ولا بإقصاء الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات مرتبطة بتعاطيها، بل تتطلب الوقاية والتوعية، وتيسير الوصول إلى العلاج، وتوفير المواكبة النفسية والاجتماعية، ودعم الأسر، وتعزيز فرص التعافي وإعادة الاندماج.

 

فالمساءلة عن الأفعال لا تتعارض مع احترام كرامة الإنسان، والوقاية من الإدمان لا تنجح حين يتحول الأشخاص الذين يحتاجون إلى العلاج إلى أهداف للوصم والتشهير.

 

التداوي بالفن: حين يصبح الإبداع مساحة للتعبير والأمل

 

وسط هذه التحديات، يبرز الفن بوصفه مساحة إنسانية للتعبير عن المشاعر والتجارب التي قد يصعب تحويلها إلى كلمات. فالرسم والكتابة والمسرح والموسيقى وغيرها من أشكال التعبير الإبداعي يمكن أن تساعد الأفراد على استكشاف مشاعرهم، وتعزيز التواصل مع الذات والآخرين، والشعور بالانتماء والمشاركة.

 

ومن هنا تبرز أهمية العلاج بالفنون، إلى جانب الأنشطة الفنية والثقافية الداعمة للصحة النفسية، باعتبارها مداخل يمكن أن تسهم في تعزيز الرفاه النفسي، وفق طبيعة النشاط واحتياجات المستفيدين.

 

فالفن ليس مجرد ترف ثقافي، بل يمكن أن يكون مساحة للتعبير والتواصل واستعادة الأمل.

 

غير أن الدقة تقتضي التمييز بين العلاج بالفنون، الذي يُمارس ضمن إطار علاجي مؤهل، والأنشطة الفنية التي قد توفر دعمًا نفسيًا واجتماعيًا دون أن تُعدّ علاجًا متخصصًا في حد ذاتها. فالفن لا يعوّض الرعاية الطبية أو النفسية عند الحاجة، وإنما يمكن أن يكون جزءًا مكمّلًا لمقاربة متكاملة تراعي احتياجات الإنسان وظروفه.

 

ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى تشجيع المبادرات الثقافية والفنية داخل المؤسسات التعليمية والجامعية ودور الشباب والمراكز الثقافية والاجتماعية، مع توفير التأطير الملائم وربط هذه المبادرات، عند الاقتضاء، بخدمات الصحة النفسية المتخصصة.

 

إن إتاحة الفرصة للشباب للكتابة والرسم والمشاركة في المسرح والموسيقى وغيرها من الأنشطة الإبداعية، تتيح لهم التعبير عن تجاربهم، وتفتح أمامهم مساحات للحوار والتواصل، بدل تركهم وحدهم في مواجهة الضغوط أو حصر خياراتهم في الصمت والانسحاب.

 

الصحة النفسية مسؤولية عمومية ومجتمعية

 

لا يمكن بناء مجتمع سليم نفسيًا بالاكتفاء بحملات التوعية الموسمية، مهما كانت أهميتها. فالمطلوب هو الانتقال من الخطاب إلى الفعل، ومن الاعتراف بأهمية الصحة النفسية إلى ضمان شروط فعلية لحمايتها.

 

ويتطلب ذلك تطوير خدمات الصحة النفسية وتيسير الولوج إليها، وتعزيز المواكبة داخل المؤسسات التعليمية والجامعية، وتوفير برامج للوقاية من الإدمان وعلاجه، ودعم الأسر، وتوسيع فضاءات الاستماع والتوجيه، مع إيلاء عناية خاصة للفئات التي تواجه الهشاشة أو صعوبات في الوصول إلى الخدمات.

 

كما تبرز أهمية إدماج الثقافة والفنون في المبادرات الوقائية والداعمة للصحة النفسية، وتشجيع التعاون بين المؤسسات الصحية والتربوية والثقافية، بما يتيح استجابات أكثر قربًا من واقع الأفراد واحتياجاتهم.

 

وتظل مسؤولية المجتمع المدني أساسية في التوعية والمرافعة وفتح فضاءات التعبير، دون أن يحل ذلك محل مسؤولية المؤسسات العمومية في توفير الخدمات والموارد اللازمة.

 

فالصحة النفسية ليست مسؤولية الفرد وحده، ولا يمكن مطالبة الأشخاص بالتكيف مع ظروف قاسية دون العمل على تحسينها. إنها قضية تتقاطع فيها الصحة والتعليم والشغل والحماية الاجتماعية والثقافة، وتتطلب سياسات منسقة ومبادرات مستمرة، لا حلولًا ظرفية تنتهي بانتهاء المناسبة.

 

من أجل مجتمع يُنصت بدل أن يُدين

 

في العاشر من أكتوبر، لا نحتاج إلى مطالبة الناس بمزيد من القوة بقدر ما نحتاج إلى بناء واقع أقل قسوة، يوفر لهم أسبابًا حقيقية للصمود والأمل.

 

نحتاج إلى أسر تتعلم الإنصات بدل إصدار الأحكام، ومؤسسات تجعل طلب المساعدة أكثر سهولة وأمانًا، ومدارس وجامعات تراعي الصحة النفسية لطلبتها، ومجتمع يرفض الوصم والتمييز، ويمنح الأشخاص الذين يواجهون اضطرابات نفسية أو مشكلات مرتبطة بالإدمان فرصة للعلاج والتعافي وإعادة الاندماج.

 

ونحتاج، كذلك، إلى أن نمنح الفن مكانته في الحياة اليومية، لا باعتباره زينة ثقافية فحسب، بل بوصفه مجالًا للتعبير والتواصل والإبداع، يمكن أن يسهم في الوقاية والدعم النفسي والاجتماعي، ضمن مقاربة تحترم حدود دوره وأهمية العلاج المتخصص.

 

الصحة النفسية حق، وليست رفاهية. والمخدرات ليست حلًا للمعاناة، والوصم لا يصنع التعافي، والفن يمكن أن يفتح نافذة للتعبير والأمل.

 

فلنعمل من أجل مجتمع ينصت قبل أن يحكم، ويحتوي بدل أن يُقصي، ويوفر سبل العلاج والمواكبة بدل أن يترك الإنسان وحيدًا في مواجهة معاناته.

 

لأن الإنسان لا يحتاج فقط إلى أن يبقى على قيد الحياة، بل يحتاج إلى أن يعيش بكرامة، وأن يجد من يسمعه حين يعجز عن التعبير عما بداخله، وأن تتاح له فرص حقيقية للعلاج والدعم والمشاركة والإبداع.

 

حين تعجز الكلمات، يمكن للفن أن يفتح بابًا للتعبير. وحين ينصت المجتمع، يصبح الأمل أقرب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.