حين تصبح الشكاية هي المتهم: رحلة في قلب الوصمة وأسئلة عن العدالة، والإدمان، والحق في أن يسمع الإنسان
بقلم: لطيفة بنعاشير
لم أكن أنوي كتابة هذا المقال.
كنت أعتقد أن ما رأيته مجرد حادثة معزولة، وأن ما سمعته من روايات متفرقة لا يكفي لبناء قناعة. لكن كلما تقدمت في البحث، اكتشفت أن القصة أكبر من تجربة شخصية، وأنها تمس فئة كاملة من الشباب الذين يعيشون بين المرض، والإدمان، والوصمة، والخوف من ألا يجدوا من يسمعهم.
بدأ الأمر بسؤال بسيط، لكنه ظل يطاردني أينما ذهبت:
هل يحصل جميع المواطنين على الحق نفسه في أن تستمع شكاياتهم، أم أن بعضهم يحاكم بسبب وضعه الصحي قبل أن تفحص الوقائع التي يحملها؟
لم أكتف بما عشته، بل قررت أن أبحث.
التقيت بأساتذة جامعيين، وأطباء من القطاعين العام والخاص، وأسرا أنهكها الإدمان، وشبابا يعيشون رحلة العلاج النفسي، وآخرين يحاولون التعافي والعودة إلى المجتمع.
كانت الروايات مختلفة.. لكنها التقت عند نقطة واحدة:
هناك أسئلة تحتاج إلى تحقيق، لا إلى صمت.
سمعت شهادات تتحدث عن إشكالات في بعض الممارسات العلاجية، وعن شباب يؤكدون أنهم حصلوا على أدوية ذات قابلية للإدمان في ظروف وصفوها بأنها لم تكن بالصرامة التي يفرضها القانون. وهي معطيات لا يمكن الجزم بصحتها دون تحقيق من الجهات المختصة، لكنها تطرح تساؤلات مشروعة حول مدى احترام الضوابط القانونية والطبية المنظمة لوصف وصرف هذه الأدوية.
لم يكن هدفي اتهام أحد.. بل كان هدفي أن أفهم.
لأن ما نراه يوميا في شوارع مدننا لم يعد مشهدا عابرا.
شباب في حالات هيجان، وآخرون فقدوا السيطرة على أنفسهم، وبعضهم ينتهي به الأمر إلى ارتكاب أفعال تضر بنفسه أو بغيره.
وهنا يفرض السؤال نفسه:
كيف وصلت هذه العقاقير إلى أيديهم؟
وهل يكفي أن نكتفي بوصفهم بالمدمنين، أم يجب أن نسأل أيضا عن مسارات الوقاية والعلاج والرقابة؟
وفي خضم هذا البحث، وجدت نفسي أحمل ملفا يتضمن وثائق ووصفات طبية، وتوجهت به إلى مؤسسة عمومية، لا طلبا لامتياز، ولا هربا من القانون.. بل لأنني كنت أؤمن بأن المؤسسات وجدت لحماية المواطنين، والاستماع إليهم، والتحقق من شكاياتهم.
غير أنني أقول إنني لم أشعر بأن أقوالي حظيت بالجدية التي كنت أنتظرها، كما أن بعض الوثائق التي كانت بحوزتي تم التعامل معها بطريقة أثارت لدي تساؤلات، وأقول كذلك إن هاتفي المحمول أخذ مني و تم تصفحه للحظات قبل أن يعاد إلي بعد احتجاجي.
وإذا كانت كاميرات المراقبة توثق ما جرى، فإن الرجوع إليها هو السبيل الأمثل لإظهار الحقيقة كما وقعت، حماية للجميع، لا لإدانة أحد مسبقا.
لكن القضية لم تعد بالنسبة إلي تتعلق بملف أو هاتف.
بل أصبحت قضية فئة كاملة من الشباب.
شباب يحملون عبئين في آن واحد.
عبء المرض.. وعبء الوصمة.
فالمرض النفسي لا يفقد الإنسان كرامته.
ولا يسقط عنه حقوقه.
ولا يجعله أقل أهلية لأن يستمع إليه.
ومع ذلك، يشعر كثيرون بأنهم يحاكمون بسبب تشخيص طبي قبل أن تناقش الوقائع التي يقدمونها.
ولم تعد الوصمة تقف عند حدود المجتمع.
بل انتقلت إلى العالم الرقمي.
أصبح بعض المرضى النفسيين، أو المتعافين من الإدمان، أو حتى من يقررون الحديث عن معاناتهم، عرضة للتشهير عبر صفحات مجهولة الهوية، وحسابات لا يعرف أصحابها.
بدل أن يجدوا يدا تمتد إليهم.. يجدون أصابع تشير إليهم.
وبدل أن يشجعوا على العلاج والاندماج.. يدفعون مرة أخرى نحو العزلة.
وهنا يصبح التشهير الرقمي خطرا لا يقل عن المرض نفسه، لأنه يقتل الأمل في التعافي، ويزرع الخوف في كل من يفكر في طلب المساعدة أو التبليغ عن أي تجاوز.
إن دستور المملكة المغربية واضح. فالجميع متساوون أمام القانون، وكرامة الإنسان مصونة، والحياة الخاصة محمية.
ولا يجوز أن تكون المعطيات الصحية أو الوصفات الطبية سببا للتمييز أو الانتقاص من حقوق أي مواطن.
كما أن أي ادعاء بوجود تجاوزات، سواء تعلق بمؤسسة أو بشخص، يظل خاضعا لواجب التحقق وفق القانون، بعيدا عن الأحكام المسبقة.
هذا المقال لا يطالب بإدانة أحد، ولا يصدر أحكاما، ولا يشكك في المؤسسات.. بل يدعو إلى ما هو أبسط من ذلك، وأكثر أهمية.
يدعو إلى فتح نقاش مسؤول حول الصحة النفسية، والإدمان، والرقابة على الأدوية الخاضعة للمراقبة، وحماية المرضى من الوصمة، وضمان حق كل مواطن في أن تسمع شكايته، وأن تفحص الوقائع التي يقدمها بموضوعية وإنصاف.
فإذا كانت هناك اختلالات، فإن معالجتها تقوي المؤسسات ولا تضعفها.
وإذا لم تكن هناك اختلالات، فإن التحقيق النزيه هو وحده الكفيل بإظهار الحقيقة.
وربما يكون أخطر ما كشفته هذه الرحلة ليس وجود خطأ من عدمه، بل ذلك الشعور الذي يتسلل إلى كثير من الشباب بأنهم أصبحوا يخافون من الكلام أكثر مما يخافون من الألم.
لأنهم يعتقدون أن المجتمع قد يحاكمهم بسبب اضطرابهم قبل أن يسمع قصتهم.
والعدالة الحقيقية لا تبدأ بالحكم.. بل تبدأ بالإنصات، وباحترام الإنسان، وبالبحث عن الحقيقة.. لأن الحقيقة وحدها هي التي تحمي الجميع.