صرخة يائسة عند الأسوار: حين يسبق النزيف الإحصائيات الرسمية
هدى بوكدال
تتجدد المفارقة المؤلمة في كل محطة احتفالية وطنية، لتكشف عن فجوة عميقة بين لغة الأرقام الرسمية وواقع يعج بالإحباط في الشارع المغربي. فبينما كانت المملكة تحيي غمرة احتفالاتها بذكرى عيد العرش المجيد، المناسبة السنوية لاستعراض الحصائل التنموية والوقوف على المنجزات، استيقظ الرأي العام على صور صادمة لأعداد من الشباب وهم يلقون بأنفسهم في أمواج البحر ومخاطر السياجات الحدوديّة نحو مدينة سبتة المحتلة، في مشاهد حبست الأنفاس وأعادت إلى الواجهة أسئلة ملحة حول نجاعة السياسات العمومية.
من باب الإنصاف الموضوعي، لا يمكن لأي متتبع منصف أن يتغاضى عن الجهود الملموسة التي بذلتها الحكومة عبر وزارة التشغيل والاندماج الاقتصادي. فقد شهدت السنوات الأخيرة إطلاق أورش كبرى استثنائية استهدفت تحريك عجلة التشغيل والإدماج؛ لعل أبرزها برنامج “أوراش” الذي وفر مئات الآلاف من فرص العمل المؤقتة للشباب والنساء، وبرنامج “فرصة” الموجه لدعم وتمويل آلاف المقاولات الصغرى. يُضاف إلى ذلك الورش التاريخي للحماية الاجتماعية، وإصلاح منظومة التكوين المهني عبر إحداث “مدن المهن والكفاءات” لملائمة التكوينات مع احتياجات سوق الشغل. هي مبادرات تعكس نوايا حسنة وميزانيات ضخمة لا يجادل عاقل في أهميتها.
لكن المفارقة القاتلة تكمن هنا بالذات، إذ أثبتت أحداث الحدود أن هذه البرامج، رغم وجاهتها، ظلّت عاجزة عن امتصاص حجم الاحتقان الاجتماعي المتراكم، أو صناعة أمل مستدام يستوعب أفواج الشباب المتطلع لمستقبل أفضل. فاللجوء إلى الحلول الترقيعية والتشغيل المؤقت يظل عاجزاً عن بناء استقرار مجتمعي حقيقي في ظل ضغوط اقتصادية خانقة وارتفاع مستمر في معدلات البطالة، لا سيما بين الفئات غير الحاملة للشهادات أو الفاقدة للثقة في الأفق المنظور.
إلى جانب البعد الاجتماعي والاقتصادي، يفرض توقيت هذه الأحداث تساؤلات سياسية مشروعة، فتزامن محاولات الهجرات الجماعية مع ذكرى وطنية رمزية يثير الريبة. هل نحن أمام مجرد انفجار عفوي وتلقائي لليأس والاحتقان؟ أم أن هناك أيادي خفية استغلت هذا التوقيت الرمزي لإرباك المشهد وتوجيه ضربة إعلامية وسياسية لصورة الدولة؟ وهل يتعلق الأمر بتجييش ممنهج عبر منصات التواصل الاجتماعي يستثمر في يأس الشباب لتحويلهم إلى أدوات ضغط وأجندات تستهدف الاستقرار المغربي؟
سواء كانت الحقيقة مرتبطة بقصور في أثر السياسات العمومية واختلالاتها، أو بمؤامرة محبوكة تقتات على تطلعات الفئات الهشة، فإن النتيجة الحتمية واحدة: الرهان على المستقبل لم يعد يحتمل أنصاف الحلول والترقيع.
إن ما جرى على أبواب سبتة ليس مجرد حدث عابر، بل هو جرس إنذار مدوٍّ يؤكد أن المؤامرات والضغوط الخارجية، إن وجدت لا تجد لها موطئ قدم إلا حيث تترعرع أرضية خصبة من الإحباط وفقدان الأمل. والمطلوب اليوم ليس فقط الاستمرار في البرامج الحالية، بل إحداث ثورة حقيقية في فلسفتها، عبر الانتقال من منطق “فرص الشغل المؤقتة” إلى استراتيجيات اقتصادية كبرى ومستدامة تخلق مناصب قارّة وتصون كرامة المواطن، لئلا يظل الوطن في عيون شبابه مجرد محطة انتظار لرحلة مجازفة نحو المجهول.