جريدة إلكترونية مغربية

سبت جزولة.. مؤهلات مدينة وواقع تنموي حبيس القرن الماضي!

في إحدى المرات التي قادتني فيها الطريق إلى سبت جزولة، مررت بمدخل المدينة، حيث كان يفترض أن تستقبلني لوحة طبيعية تبعث على الارتياح، وتمنح العابر انطباعاً أولياً عن مدينة تنبض بالحياة وتستعد لاستقبال زوارها. غير أن المشهد كان مختلفاً؛ فهناك، عند البحيرة المائية، حيث تختلط المياه الراكدة بمخاوف التلوث والروائح غير المستحبة، وجدتني أتساءل: كيف لمدينة تتوفر على كل هذه المؤهلات أن تظل أسيرة واقع تنموي يبدو وكأنه لم يغادر عتبة القرن الماضي؟

واصلت طريقي نحو الداخل، وكأنني أتتبع حكاية مدينة كانت لها أحلام كبيرة، لكن تفاصيل يومها العادي تحكي قصة أخرى.

 

في الشوارع والأحياء، لا يحتاج المرء إلى كثير من التأمل حتى يلمس مظاهر الاختلال العمراني؛ بنايات تفتقر إلى التناسق والجمالية، ومظاهر للبناء العشوائي، وأزقة تنتظر نصيبها من التأهيل، وبنيات تحتية لا تعكس المكانة التي يفترض أن يحتلها هذا المركز الحضري ضمن محيطه المجالي.

 

كان المشهد أشبه بصفحات من حكاية تنموية توقفت عند فصل قديم، بينما مضت مدن أخرى في كتابة فصول جديدة من التهيئة والتحديث.

 

لكن حكاية سبت جزولة لا تختصرها الأرصفة والواجهات والجدران، فخلف هذه التفاصيل يعيش المواطن يوميات أكثر صعوبة، تتعلق بالتزود بالماء الصالح للشرب، وضعف أو غياب شبكات التطهير السائل، ومشاكل الواد الحار التي تظل من بين الانشغالات المرتبطة بشروط العيش والصحة العامة.

 

وهنا، يتوقف الزائر عن النظر إلى المدينة باعتبارها مجرد مجال عمراني يحتاج إلى التجميل، ليكتشف أن الأمر يتعلق بحقوق أساسية وانتظارات مشروعة لساكنة لا تطلب سوى أن تعيش في ظروف تحفظ كرامتها وسلامتها.

 

عدت بذاكرتي إلى البحيرة التي صادفتها عند المدخل، واستحضرت المفارقة التي تختزل جزءاً من واقع المدينة: مساحة مائية كان بالإمكان أن تتحول إلى متنفس بيئي وفضاء للراحة، وربما إلى نقطة جذب جمالي تعطي للمدينة هوية بصرية مميزة، لكنها أصبحت، في ظل المخاوف التي يثيرها وضعها، موضوعاً للقلق البيئي والصحي.

 

فالمياه الراكدة، وما قد يصاحبها من روائح كريهة واحتمالات تكاثر الحشرات والبعوض، تفرض التعامل مع الوضع بجدية ومسؤولية. ولا يتعلق الأمر بإطلاق أحكام طبية أو بيئية دون تحاليل، بل بضرورة إخضاع المياه للدراسة الميدانية، وتحديد طبيعة الملوثات المحتملة، وتقييم المخاطر الصحية والبيئية، ثم اتخاذ التدابير اللازمة لحماية الساكنة.

 

فليس من المقبول أن تتحول نقطة يفترض أن تكون واجهة للمدينة إلى مصدر دائم للتوجس لدى العابرين والمجاورين لها.

 

وبين حي وآخر، وبين مشهد عمراني وآخر، ظل السؤال يرافقني: أين اختفت تلك البرامج التي يفترض أن تنقل سبت جزولة إلى مرحلة جديدة من التأهيل؟ وأين هي المشاريع القادرة على معالجة الاختلالات البنيوية، وتحسين شبكات التطهير، وتأهيل الأحياء، وإعادة الاعتبار للفضاءات العامة؟

 

إن ما تحتاجه المدينة ليس مجرد تدخلات ظرفية تظهر هنا وتختفي هناك، ولا حلولاً ترقيعية تؤجل المشكلات إلى موعد آخر، بل رؤية تنموية متكاملة، تنطلق من تشخيص حقيقي لحاجيات الساكنة، وتترجم إلى مشاريع واضحة، بآجال محددة، ومسؤوليات معلومة، ونتائج قابلة للتقييم.

 

ولعل أكثر ما يثير الاستغراب في حكاية سبت جزولة هو ذلك التباعد بين ما تختزنه من مؤهلات مجالية وبشرية، وبين ما يظهر على أرض الواقع من تعثر في مسار التأهيل الحضري. فالموقع والإمكانات والموارد البشرية ليست مجرد عناصر للتباهي في الخطابات، وإنما فرص ينبغي تحويلها إلى تنمية ملموسة يشعر بها المواطن في تفاصيل حياته اليومية.

 

وعندما غادرت المدينة، لم يكن المشهد الذي تركته خلفي مجرد صورة لبحيرة أو شارع أو بناية، بل سؤالاً أكبر عن معنى التدبير المحلي، وعن الدور الذي ينبغي أن يضطلع به المجلس الجماعي في الانتقال من تسيير الشأن اليومي إلى صناعة التحول التنموي.

 

فالمجالس المنتخبة لا تُقاس حصيلة عملها بعدد الاجتماعات ولا بما يُتداول داخل القاعات، وإنما بما يتحقق في الأحياء، وبما يتحسن في حياة المواطنين، وبقدرتها على تحويل الوعود إلى إنجازات.

 

وساكنة سبت جزولة لا تطالب بالمستحيل؛ إنها تطالب بمدينة نظيفة، وإنارة لكل الفئات مهما كان الانتماء والولاء، وشبكات تطهير لائقة، وأحياء مؤهلة، وفضاءات عمومية تحفظ جمالية المجال وكرامة الإنسان.

 

تلك هي الحكاية التي يرويها واقع المدينة، وتلك هي الأسئلة التي تظل معلقة في انتظار أجوبة عملية.

 

لقد آن الأوان كي تنتقل سبت جزولة من حكاية المؤهلات المؤجلة إلى واقع التنمية الملموسة، ومن تدبير الانتظارات إلى الاستجابة لها، ومن منطق الوعود إلى منطق المحاسبة والنتائج.

 

فالتاريخ لا يحتفظ طويلاً بما قيل في المجالس والاجتماعات، بل بما تُرك من أثر في حياة الناس.

 

وسبت جزولة، بكل ما تختزنه من إمكانات وأحلام، تستحق أن تُكتب لها حكاية تنموية جديدة، لا يكون المواطن فيها مجرد متفرج على فصول الانتظار، بل المستفيد الأول من ثمار التغيير

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.