جريدة إلكترونية مغربية

من مدرّجات جامعة ابن طفيل إلى الشارع.. حين يحتج الطلبة، ومن يحمي حق الآخرين في الدراسة؟

القنيطرة | متابعة لطيفة بنعاشير

 

ليس كل احتجاج ضجيجاً، وليس كل صمت دليلاً على الرضا. وبين طالب يرفع صوته مطالباً بحقوقه، وآخر يحاول متابعة دراسته وسط أجواء الاحتجاج، تقف جامعة ابن طفيل أمام أسئلة تتجاوز الشعارات، وتضع الجميع أمام مسؤولية البحث عن حلول تحفظ الحقوق ولا تجعل بعضها يصطدم ببعضها الآخر.

 

خلال الموسم الجامعي الماضي، اعتاد طلبة الفصيل الطلابي المنضوي تحت لواء الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، المعروف اختصاراً بـ«أوطيم»، التعبير عن احتجاجاتهم بأشكال نضالية من بينها مقاطعة الدروس. أما اليوم، فتبدو مشاهد الاحتجاج مختلفة، بعدما انتقل جانب منها من ساحات الجامعة إلى الشوارع المحيطة بها، في سياق مطالب لم يعلن أصحابها التخلي عنها.

 

في مقدمة هذه المطالب، يظل ملف الطلبة الذين طالهم الطرد الجامعي على خلفية الاحتجاجات السابقة حاضراً، إلى جانب إشكالات مرتبطة بالنقل الجامعي وظروف تنقل الطلبة من وإلى الجامعة.

 

لكن تغيير مكان الاحتجاج لا يعني بالضرورة أن أسباب الاحتقان قد اختفت، كما أن استمرار المطالب لا يعفي أي طرف من مسؤولية احترام القانون وحقوق الآخرين.

 

ملف الطرد.. مستقبل جامعي ينتظر جواباً

 

خلف كل ملف طرد طالب له مسار دراسي، وأسرة تنتظر أن ترى أبناءها يكملون دراستهم ويشقون طريقهم نحو المستقبل. لذلك، فإن معالجة هذه الملفات تستدعي توضيح المعطيات، والاستماع إلى مختلف الأطراف، وفتح المجال أمام دراسة التظلمات وفق القواعد والإجراءات المعمول بها.

 

قد تختلف الآراء حول أساليب الاحتجاج وحدودها، وقد تكون لدى إدارة الجامعة مبرراتها وتوضيحاتها، لكن السؤال الذي يستحق جواباً واضحاً هو: ما أفق معالجة هذا الملف؟ وهل يمكن فتح باب حوار جاد يتيح مناقشة القرارات المتخذة والضمانات المرتبطة بها؟

 

فالجامعة ليست فضاءً للتصعيد الدائم، كما لا ينبغي أن تتحول الخلافات داخلها إلى طريق مسدود أمام المستقبل الدراسي للطلبة.

 

النقل الجامعي.. زيادة في الكلفة وأسئلة حول السلامة

 

في موازاة ذلك، يبرز النقل الجامعي باعتباره أحد الملفات التي تؤثر مباشرة في الحياة اليومية للطلبة، خصوصاً أولئك الذين يقطعون مسافات طويلة للوصول إلى مدرجات الدراسة.

 

ويعبّر الطلبة عن رفضهم للزيادة التي طالت تعريفة النقل، كما يثيرون مسألة الاكتظاظ ومدى احترام الحافلات للطاقة الاستيعابية المقررة، فضلاً عن توفير مقاعد كافية وضمان شروط السلامة.

 

القضية هنا لا تتعلق بثمن التذكرة وحده، بل بحق الطالب في التنقل في ظروف تحفظ كرامته وسلامته. فمن غير المقبول أن يتحول الوصول إلى الجامعة إلى عبء إضافي على طالب يواجه أصلاً تكاليف الدراسة والمعيشة.

 

ومن حق الطلبة المطالبة بتوضيحات بشأن التعريفة الجديدة، ومن حق الرأي العام معرفة مدى احترام شروط السلامة، كما تقع على الجهات المعنية مسؤولية تقديم أجوبة واضحة بشأن هذه المطالب.

 

حين يصبح الصراخ عائقاً أمام الدرس.. لمن تعود الجامعة؟

 

لكن وسط ضجيج الشعارات، هناك أصوات أخرى تستحق أن تُسمع أيضاً.

 

هناك طلبة يأتون إلى جامعة ابن طفيل من أجل متابعة المحاضرات والاستعداد للامتحانات، وقد يجد بعضهم صعوبة في التركيز بسبب الأصوات المرتفعة والصراخ المنبعث من الاحتجاجات. هؤلاء أيضاً طلبة، ولهم الحق في فضاء جامعي يتيح لهم التعلّم في ظروف مناسبة، تماماً كما لزملائهم الحق في التعبير عن مطالبهم والاحتجاج من أجلها.

 

وهنا ينبغي أن نكون واضحين: الدفاع عن حق الاحتجاج لا يعني منح أي طرف الحق في تعطيل حقوق الآخرين، كما أن الدفاع عن حق الدراسة لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لإسكات الأصوات الطلابية.

 

من حق الطلبة التظاهر والتعبير عن مطالبهم بالوسائل المشروعة، لكن من واجب الجميع مراعاة سير الدروس واحترام حق زملائهم في التعلّم. فالجامعة فضاء للعلم والمعرفة والحوار، وليست مجرد ساحة للتجمهر أو اختباراً لمن يستطيع رفع صوته أكثر من غيره.

 

ليس من العدل أن ندافع عن طالب يريد إيصال صوته، ثم نتجاهل طالباً آخر يريد أن يسمع أستاذه. وليس من المنطقي أيضاً أن نطالب المحتجين بالصمت من دون الإصغاء إلى أسباب احتجاجهم.

 

النضال لا يُقاس بعلوّ الصراخ، بل بقدرة المطالب على الوصول، والحجج على الإقناع، والحقوق على التعايش دون أن يسحق بعضها بعضاً.

 

المطلوب هو تدبير مسؤول للاحتجاج، وحوار جاد حول المطالب، وأشكال تعبير تراعي حق الجميع في الدراسة، حتى لا يجد الطالب نفسه مضطراً للاختيار بين مساندة زملائه في مطالبهم والحفاظ على حقه في متابعة دراسته.

 

عدسة التصوير تثير أسئلة أخرى.. لماذا أصبح توثيق الاحتجاج موضع خلاف؟

 

خلال معاينتي الميدانية للاحتجاجات، وأثناء محاولتي تصوير جانب من المشهد، تدخلت شابة من الفصيل الطلابي رفقة زميل لها لمنعي من التصوير، وأُبلغت بأنني قد أتعرض للمتابعة شخصياً إذا أقدمت على ذلك.

 

هذه واقعة أنقلها في حدود ما عاينته، دون أن أستنتج منها نوايا لم أتحقق منها، أو أنسب إلى المعنيين بها دوافع لا أملك دليلاً عليها.

 

لكن ما حدث يطرح أسئلة تستحق النقاش.

 

إذا كان الطلبة قد لجؤوا سابقاً إلى المواقع الإلكترونية والجرائد الرقمية لإيصال مطالبهم إلى الرأي العام، فما الذي تغيّر اليوم؟ هل يتعلق الأمر بتحفظ على التصوير في ظروف معينة؟ أم باعتراض على طريقة التغطية؟ أم أن هناك أسباباً أخرى يمكن توضيحها؟

 

لا أملك جواباً قاطعاً، ولا أريد أن أصنع جواباً من التخمين. لكنني أرى أن الاختلاف حول التصوير ينبغي أن يُناقش بوضوح، بعيداً عن التهديد أو الأحكام المسبقة.

 

وفي المقابل، فإن العمل الصحفي لا يمنح صاحبه حقاً مطلقاً في تصوير الأشخاص أو نشر صورهم دون مراعاة حقوقهم والضوابط القانونية ذات الصلة. ومن حق أي شخص أن يعبّر عن تحفظه، كما أن من حق الصحفي أو المراسل أن يبحث عن وسائل مهنية وقانونية لتوثيق الأحداث ذات الاهتمام العام.

 

المطلوب ليس صراعاً بين العدسة والاحتجاج، بل قواعد واضحة تحمي الحقوق وتتيح نقل الوقائع بمسؤولية.

 

مذكرات البحث.. حين تتحول الإشاعة إلى اتهام

 

تداول بعض الأشخاص حديثاً عن احتمال وجود طلبة موضوع مذكرات بحث، لكنني لم أتحقق من صحة هذه المعلومة، ولا أملك ما يسمح لي بتأكيدها أو ربطها بما وقع أثناء التصوير.

 

لذلك، لا يصح تقديم هذا الكلام باعتباره حقيقة ثابتة، ولا يجوز تحويله إلى تفسير جاهز لسلوك أي طالب أو طالبة.

 

فالمعلومة التي قد تمس سمعة الأشخاص وحريتهم تحتاج إلى مصدر موثوق وتحقق جاد، لا إلى تداول أو تخمين. والفرق كبير بين نقل واقعة عاينها الصحفي، ونشر اتهام لم تثبت صحته.

 

إن الصحافة المسؤولة لا تكتفي بطرح الأسئلة الصعبة، بل تتحمل أيضاً مسؤولية التمييز بين الحقيقة والادعاء، وبين ما يمكن إثباته وما لا يزال بحاجة إلى تحقق.

 

جامعة ابن طفيل.. من يملك أجوبة هذه الأسئلة؟

 

في نهاية المطاف، لا ينبغي أن يظل النقاش محصوراً في الشعارات أو في الخلاف حول التصوير. فهناك مطالب تتعلق بالمسار الجامعي لطلبة، وإشكالات مرتبطة بالنقل، وطلبة يريدون متابعة دراستهم في ظروف مناسبة، وأطراف تحتاج إلى الحوار بدل استمرار التوتر.

 

من حق الطلبة المطالبة بمعالجة ملفاتهم، ومن حق زملائهم حماية وقتهم الدراسي، ومن حق الرأي العام معرفة ما يجري في مؤسسة جامعية عمومية، ومن واجب جميع الأطراف احترام القانون وحقوق الآخرين.

 

ويبقى السؤال موجهاً إلى الجهات المعنية: ما الخطوات الممكنة لمعالجة المطالب المطروحة؟ وما الإجراءات الكفيلة بتحسين ظروف النقل وضمان السلامة؟ وكيف يمكن تدبير الاحتجاجات بما يحفظ حرية التعبير واستمرار الدراسة في آن واحد؟

 

أنا لا أكتب لتلميع صورة طرف، ولا لتشويه صورة طرف آخر. أكتب لأن الجامعة شأن عام، ولأن الطالب ليس رقماً في ملف إداري، ولأن الاحتجاج ليس ترخيصاً لإلغاء حقوق الآخرين، ولأن الصحافة التي لا تطرح الأسئلة تفقد جزءاً من معناها.

 

حين يرفع الطالب صوته، اسمعوا حجته. وحين يطالب زميله بالهدوء حتى يتمكن من متابعة دراسته، لا تتهموه بمعاداة النضال. وحين ترفع الصحافة عدستها، ناقشوا حقها وحدوده بالقانون. وحين تظهر معلومة غير مؤكدة، تحققوا منها قبل أن تتحول إلى اتهام.

 

لسنا مضطرين للاختيار بين طالب يريد أن يُسمَع صوته، وطالب يريد أن يسمع أستاذه. المطلوب جامعة يتسع فضاؤها للاختلاف، وتُصان فيها الحقوق، وتُعالج فيها المطالب بالحوار والمسؤولية، لا بمنطق من يرفع صوته أكثر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.