جريدة إلكترونية مغربية

«مَرِيرِيدَة»… المرأة التي لم تُطِع الصمت، وابنة الأطلس التي تحوّلت إلى قصيدة عصيّة على النسيان

متابعة لطيفة بنعاشير

من المركز الثقافي الأطلس بالخميسات، تعود الشاعرة الأمازيغية مريريدة نَايْتْ عَتِيق إلى الخشبة؛ لا بوصفها اسمًا من الماضي، بل امرأةً تتقاطع في حكايتها أسئلة الحرية والخيانة والسلطة والذاكرة، في عرض يمزج الصراع الإنساني بجماليات الصورة والصوت.

 

ماذا لو لم تكن مريريدة مجرّد شاعرة من ذاكرة الأطلس، بل حكاية امرأة قررت، بطريقة أو بأخرى، ألّا تترك الآخرين يكتبون نهايتها نيابةً عنها؟

 

ماذا لو كانت القصيدة التي تنطلق من حنجرتها أكثر جرأةً من مجتمع يريد للمرأة أن تتكلم حين يُسمح لها، وأن تصمت حين يُطلب منها، وأن تعيش داخل الحدود التي يرسمها الآخرون؟

 

في المركز الثقافي الأطلس بمدينة الخميسات، لم تأتِ مسرحية «مريريدة» لتضع الماضي في إطارٍ جميل ثم تنصرف. لقد فتحت بابًا على عالمٍ تتشابك داخله العلاقات العائلية والاجتماعية، وتتصادم فيه المواقف والمصالح، وتجد المرأة نفسها في قلب صراع لا يمكن اختزاله في حكاية حب أو سيرة شاعرة.

 

هنا، لا تقف مريريدة على الخشبة لتكون صورةً معلّقة من زمنٍ بعيد؛ إنها تتحرك داخل حكاية تتنازعها الذاكرة والواقع، وتواجه شخصيات لا تتشابه في اختياراتها ولا في ولاءاتها. وبين الشعر والقرابة والخيانة، يتشكل عالم مسرحي يذكّرنا بأن التاريخ لا تصنعه الوقائع الكبرى وحدها، بل تصنعه أيضًا حيوات الناس الذين وجدوا أنفسهم في قلبها.

 

مريريدة… حين خرجت المرأة من الهامش إلى الحكاية

 

في قلب هذا العالم، تقف مريريدة نَايْتْ عَتِيق، الشاعرة الأمازيغية التي ارتبط اسمها بمنطقة مجداز في وادي تسّاوت بالأطلس الكبير، وبقصائد قيلت بالتاشلحيت، وحُفظت في الذاكرة الشفوية قبل أن يصل جانب منها إلى التدوين.

 

لا نعرف كل شيء عن حياتها، وربما تكمن هنا إحدى مفارقات سيرتها: نعرف شيئًا من شعرها، لكن تفاصيل كثيرة من حياتها ظلت غامضة، حتى إن تاريخ وفاتها ومكانها لا يبدوان محسومين في الروايات المتداولة عنها. وما يُروى بشأن زواجها المبكر وتعاسة تجربتها الزوجية ومغادرتها تلك الحياة يستند جزئيًا إلى قراءات في قصائدها وروايات عن سيرتها، لا إلى سجلٍّ كاملٍ ومؤكد لتفاصيل حياتها.

 

تروي بعض المصادر أنها غادرت حياةً زوجية لم تجد فيها ما تنشده، ثم اتجهت إلى الإنشاد الشعري والترحال بين الأسواق، حيث كانت تقدم قصائدها الشفهية وتعبّر عن الحب والخيبة والعلاقات الإنسانية بلغة لا تخلو من الجرأة.

 

ولعل ما يجعل مريريدة شخصية تستحق أن تعود إلى الخشبة ليس فقط ما عاشته، بل ما عبّرت عنه. فقد حمل شعرها موضوعات لم يكن التعبير عنها على ألسنة النساء أمرًا مألوفًا في سياقها الاجتماعي، من الحب والفراق إلى مشكلات الحياة والعلاقات والقيود المفروضة على المرأة.

 

لم تكن مريريدة تملك سلطة المؤسسات، ولا أدوات الكتابة والتدوين، لكنها امتلكت صوتًا. والصوت، حين يصبح قصيدة، يستطيع أن يفعل ما لا تفعله الأبواب المغلقة: أن يفتح نافذةً على ما يُراد له أن يبقى مخفيًا.

 

لم تكن ثورتها بالضرورة بيانًا سياسيًا مكتوبًا، ولا مشروعًا معلنًا لتغيير المجتمع؛ كانت جرأتها في أن تنطق بتجربتها، وأن تجعل من الشعر مساحةً للتعبير عن الذات. وفي عالمٍ كثيرًا ما يُحاكم المرأة على ما تقوله، وعلى ما تعيشه، وعلى ما تختاره، يصبح مجرد امتلاك الصوت فعلًا يستحق التأمل.

 

مريريدة لا تستحق أن تُختزل في صورة المرأة المتمردة فحسب؛ إنها تستحق أن تُقرأ بوصفها شاعرةً امتلكت لغتها، وعبّرت عن تجربة إنسانية لم تستطع الذاكرة أن تمحوها بالكامل.

 

عمر العسكري… ابن العم الذي يفتح جرح الخيانة

 

لكن الحكاية التي تعرضها المسرحية لا تقف عند صراع المرأة مع المجتمع. فداخل عالم «مريريدة»، تتسلل المواجهة إلى روابط الدم نفسها، من خلال شخصية عمر العسكري، ابن عم مريريدة، الذي تكشف بعض المشاهد عن خدمته أجندات العدو الذي تشير إليه الشخصيات باسم «إيرومين».

 

هنا، يتغير وجه الصراع.

 

ليس الخصم غريبًا بالضرورة، وليس القريب ضمانةً للوفاء. فقد يجمع شخصين تاريخ العائلة والدم، بينما تضعهما المواقف في جهتين متعارضتين. وفي هذا التناقض، تتحول شخصية عمر العسكري إلى إحدى نقاط التوتر الأساسية في الحكاية؛ إذ تصبح القرابة امتحانًا للولاء، ويغدو الانتماء سؤالًا لا تجيب عنه الأسماء العائلية وحدها، بل المواقف التي تكشفها الأحداث.

 

من خلال هذه العلاقة، يفتح العمل بابًا على صراع يتجاوز حدود الأسرة إلى السياق التاريخي الذي تستحضره المسرحية. فالعدو، كما تصوّره الحكاية، لا يحضر فقط من خارج المجتمع؛ إنما يكتسب نفوذه أيضًا حين يجد من يخدم مصالحه من داخل المحيط الذي يواجهه.

 

إنها مفارقة موجعة: أن يكون القريب جزءًا من الحكاية، لكنه لا يقف بالضرورة في الجهة التي يتوقعها المرء منه.

 

ولا يحتاج هذا الصراع إلى خطب طويلة كي يترك أثره؛ فالتناقض بين رابطة الدم والموقف السياسي أو التاريخي كافٍ لطرح أسئلة عن المسؤولية والاختيار، وعن اللحظة التي يصبح فيها الولاء امتحانًا حقيقيًا.

 

وهنا تكتسب المسرحية بعدها المتمرّد: فهي لا تكتفي بتقديم شخصيات تتحرك داخل أحداثها، بل تضع العلاقات نفسها تحت الضوء، وتدعو المتلقي إلى النظر خلف الأسماء والروابط، حيث تتكشف حقيقة المواقف.

 

بيبيا وبيزة… نساء في عالم لا يمنح الجميع المساحة نفسها

 

إلى جانب مريريدة، تحضر بيبيا، صديقتها، وبيزة، صاحبة المقهى الليلي المرتبط في أحداث المسرحية بفضاء الدعارة. ومن خلال هاتين الشخصيتين، يتسع العالم الدرامي ليضم تجارب نسائية أخرى، داخل فضاء اجتماعي تتقاطع فيه العلاقات والمصائر.

 

لا ينبغي أن ننظر إلى بيبيا وبيزة باعتبارهما مجرد شخصيتين مساعدتين في سيرة البطلة؛ فوجودهما يفتح المجال لقراءة العالم الذي تتحرك فيه مريريدة، وما يحمله من تناقضات وعلاقات معقدة.

 

تمنح الصداقة مع بيبيا الحكاية وجهًا إنسانيًا، بينما ترتبط بيزة بفضاء مختلف، تتقاطع داخله حيوات الشخصيات. ويصبح المقهى الليلي أكثر من مكان تدور فيه الأحداث؛ إنه جزء من العالم الاجتماعي الذي تختاره المسرحية مسرحًا لحكايتها، حيث تتجاور التجارب وتظهر جوانب من الحياة لا تختزلها الصور الجاهزة.

 

لكن القراءة المتمردة لهذه الشخصيات تقتضي الحذر من إصدار الأحكام عليها انطلاقًا من مواقعها الاجتماعية وحدها. فليس من الإنصاف أن نختزل امرأةً في المكان الذي تعيش أو تعمل فيه، كما لا يصح أن نمنح شخصيةً أخرى البراءة أو الإدانة لمجرد قربها من البطلة أو بعدها عنها.

 

إن قوة المسرح تكمن في قدرته على جعلنا نرى الإنسان خلف الدور، وأن نطرح الأسئلة بدل أن نكتفي بتوزيع الأحكام.

 

ومن هنا، تتسع حكاية مريريدة لتصبح حكاية عالمٍ كامل، تتجاور فيه النساء المختلفات، وتكشف علاقاتهن عن وجوه متعددة للتجربة الإنسانية، من الصداقة إلى التناقض، ومن الألفة إلى الصراع.

 

روني أولوغ… من يستمع إلى القصيدة، ومن يملك حق حفظها؟

 

في جهة أخرى من الحكاية، يظهر الأستاذ روني أولوغ، المرتبط في سيرة مريريدة بجمع جانب من قصائدها وتدوينها وترجمتها.

 

وتروي المصادر أن أولوغ التقى مريريدة في منطقة أزيلال خلال النصف الأول من القرن العشرين، وأنه جمع قصائدها الشفهية، التي عُرفت لاحقًا ضمن كتاب Les Chants de la Tassaout، أي «أغاني تسّاوت»، الصادر سنة 1963.

 

هنا، تكتسب الحكاية بُعدًا آخر: امرأة تنشد الشعر بلغتها، تحفظ قصائدها في ذاكرتها، ولا تملك بالضرورة أدوات الكتابة، ثم يأتي من يصغي إليها ويسجل كلماتها، فتنتقل القصيدة من فضاء الإنشاد الشفهي إلى فضاء الكتابة.

 

لكن هذا التحول يفتح سؤالًا لا يقل أهمية عن سؤال الخيانة والولاء: من يحفظ ذاكرة المبدع؟ ومن يملك القدرة على نقلها إلى الآخرين؟

 

لا يمكن إنكار أهمية التدوين في حفظ جانب من شعر مريريدة، لكن من المهم أيضًا ألا نحصر وجودها في الشخص الذي دوّن قصائدها. فقد كانت شاعرةً قبل أن تصل كلماتها إلى الورق، وكانت قصائدها تعيش في صوتها وأدائها قبل أن تدخل الكتب.

 

أولوغ ساهم في حفظ أثرها، لكنه لم يصنع صوتها؛ ذلك الصوت كان لها، وكانت القصيدة تجربتها قبل أن تصبح نصًا محفوظًا.

 

وهذه إحدى المفارقات التي تجعل سيرة مريريدة جديرة بإعادة القراءة: امرأة لا نعرف عنها كل شيء، لكن صوتها عبر إلى زمننا، فيما بقيت أجزاء من حياتها غامضة. كأن القصيدة نجت من النسيان، بينما ظلّت صاحبتها تقاوم الغياب في الذاكرة.

 

حين لا تكتفي الخشبة بالكلام… الصورة والإضاءة والموسيقى

 

في مسرحية «مريريدة»، لا تقف الحكاية عند حدود النص والحوار. فالعرض يستثمر عناصر بصرية وسمعية تسهم في بناء التجربة المسرحية، وتمنح الأحداث إيقاعًا يتجاوز الكلام المنطوق.

 

إن الإضاءة ليست مجرد وسيلة لرؤية الممثلين؛ إنها جزء من لغة الخشبة، تساعد على تشكيل الفضاء وتوجيه الانتباه، وتمنح المشاهد ملامحه البصرية. وحين تتكامل مع الحركة والأداء، يصبح الضوء عنصرًا مشاركًا في توجيه عين المتلقي نحو تفاصيل الحكاية.

 

أما الموسيقى، فتحمل قدرةً خاصة على ملامسة الجانب الوجداني من التجربة. فقد تهيئ المتلقي للدخول في أجواء المشهد، أو تعزز أثر اللحظات الدرامية، أو تمنح الإيقاع المسرحي نبرةً تتكامل مع أداء الممثلين.

 

ومن منظور سمعي بصري، تبرز أهمية التقنيات المستلهمة من اللغة السينمائية في طريقة بناء المشهد، وفي العلاقة بين الصورة والصوت والحركة. فالمسرح يستطيع أن يستفيد من أدوات التعبير البصري والسمعي من دون أن يفقد خصوصيته بوصفه فنًا حيًا يحدث أمام الجمهور.

 

لكن التحدي الحقيقي ليس في استخدام المؤثرات لمجرد الإبهار، بل في جعلها تخدم الحكاية. فالتقنية تصبح ذات قيمة حين تساعد المتلقي على الإحساس بالصراع، وتمنح المشهد عمقًا، وتخلق علاقة بين ما يراه الجمهور وما يسمعه وما يستشعره.

 

في هذا المعنى، تصبح الخشبة مساحةً تتجاور فيها لغات متعددة: لغة الجسد، ولغة الصوت، ولغة الضوء، ولغة الصورة. وحين تلتقي هذه العناصر في بناء متماسك، لا تعود المسرحية حكايةً تُروى فحسب، بل تجربةً تُعاش.

 

وهنا تحديدًا يمكن قراءة «مريريدة» من زاوية سمعية بصرية: كيف تتحول سيرة شاعرة إلى مشاهد، وكيف يُترجم الصراع إلى أداء، وكيف تسهم الموسيقى والإضاءة في بناء العالم الذي تتحرك داخله الشخصيات.

 

الأطلس لا ينسى أبناءه… لكنه يحتاج إلى من يعيد رواية حكاياتهم

 

إن استعادة مريريدة في مدينة الخميسات ليست مجرد احتفاء بشخصية شعرية أمازيغية، بل فرصة للتأمل في العلاقة بين الفن والذاكرة، وبين التراث والحاضر.

 

فالثقافة لا تُصان بترديد أسماء أصحابها فقط، بل بإعادة قراءة تجاربهم، وطرح الأسئلة التي تثيرها حياتهم وأعمالهم. ولا يكتسب التراث قيمته من كونه قديمًا، بل من قدرته على أن يظل حيًا، وأن يفتح أمام الأجيال الجديدة أبوابًا لفهم الإنسان والمجتمع والتاريخ.

 

مريريدة، القادمة من مجداز ووادي تسّاوت، لم تترك وراءها سيرةً مكتملة التفاصيل، لكنها تركت شعرًا وصل إلينا عبر التدوين والترجمة. وفي هذه المسافة بين ما نعرفه وما لا نعرفه، تنشأ مسؤولية الفن: ألا يخترع حياةً بديلة لصاحبتها، وألا يحبسها في صورة واحدة، بل أن يمنحها مساحةً للحضور والتأويل، مع احترام ما نعرفه عن تاريخها وما لا يزال غامضًا فيه.

 

والمسرح، حين يختار هذه الشخصية، لا يعيد الماضي كما كان؛ إنه يعيد فتحه أمام الحاضر، ويمنح الجمهور فرصةً للنظر إلى حكاية المرأة والشاعرة والإنسان من زوايا جديدة.

 

من الخميسات… إلى كل خشبة تمنح الصوت لمن غاب

 

حين تنطفئ أضواء العرض، لا تنتهي الأسئلة التي تركتها الحكاية خلفها.

 

تبقى مريريدة في الذاكرة، لا لأنها كانت شخصيةً بلا تناقضات، ولا لأن سيرتها تحولت إلى أسطورة مكتملة، بل لأن شعرها وتجربتها يفتحان أمامنا بابًا لفهم ما يمكن أن تفعله الكلمة حين تجد طريقها إلى الناس.

 

تبقى بيبيا وبيزة وعمر العسكري وروني أولوغ ضمن العالم الذي نسجته المسرحية حولها؛ شخصيات تتقاطع مساراتها لتكشف عن صراع تتداخل فيه القرابة والاختيار، والمجتمع والفرد، والتجربة الشخصية والذاكرة التاريخية.

 

ويبقى السؤال الأعمق: كم من الأصوات لم تجد من يصغي إليها؟ وكم من الحكايات اختفت لأن أصحابها لم يمتلكوا وسيلةً لحفظها؟ وكم من النساء اختُزلت حياتهن في أحكام المجتمع، بدل أن يُنصت إلى ما أردن قوله؟

 

من خشبة المركز الثقافي الأطلس بالخميسات، تعود مريريدة لتذكّرنا بأن الشعر ليس زينةً لغوية، وأن المسرح ليس مجرد فرجة، وأن الذاكرة لا ينبغي أن تكون امتيازًا لمن يملك القلم وحده.

 

مريريدة ليست امرأةً نبحث عن خلاصها في صفحات الماضي؛ إنها صوتٌ نعيد اكتشافه كلما سألنا أنفسنا: من يحق له أن يتكلم، ومن يملك حق كتابة الحكاية، ومن يقرر أي الأصوات تستحق أن تبقى؟

 

ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله المسرح هو ألّا يمنحنا إجابات جاهزة، بل أن يتركنا أمام هذه الأسئلة، بعد أن تُسدل الستارة، ونكتشف أن بعض الحكايات لا تنتهي عند آخر مشهد… بل تبدأ هناك، في عقول الذين شاهدوها.

 

مريريدة… قصيدة من الأطلس، وامرأة عصيّة على الاختزال، وذاكرة تعود إلى الضوء كلما تجرأ الفن على فتح الأبواب التي ظنّها النسيان مغلقة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.