جريدة إلكترونية مغربية

المنتدى الوطني للمدرس لا يبدو فضاء للتغيير، بقدر ما هو مسرح لإدارة الوهم

بقلم : ذ ياسين كيني

المنتدى الوطني للمدرس: احتفاء يخفي مساءلة صامتة، بين لغة القول وقول اللغة.

في التوقيت نفسه الذي خرج خبر إحالة ملفات فساد واختلاسات المدرسة الرائدة على النيابة العامة ولم يحض بالاهتمام، انتشرت فيديوهات المنتدى الوطني للمدرس، منتدى تنظمه الوزارة وهذا مفهوم، لكن غير المفهوم هو لماذا تنظمه؟! ولماذا تساهم في تنظيمه مؤسسة محمد السادس الممولة من جيوب الأساتذة للقيام بدور اجتماعي بينما تقوم بتمويل مشاريع الوزارة ومنتدياتها غير الاجتماعية؟!؟ فبعد اقتناء حواسيب المدرسة الرائدة ها هي تنظم منتدى المدرس، نحن هنا أمام أستاذ يمول مشاريع وزارية وهو أمر يجب أن يراجع قانونيا قبل كل شيء، ما علينا لنعد للمنتدى.

ليس من الصعب أن ننجذب إلى خطاب الاحتفاء بالمدرس، لكن التجربة تُعلمنا أن التكريم، حين يأتي منفصلا عن شروط الكرامة، يتحول إلى إيهام نفسي، هكذا يبدو المنتدى احتفال لغوي كثيف بـالتحول والتثمين، يقابله صمت ثقيل عن واقع المدرس الذي يعاقب أحيانا لأنه طالب بحقه، ويترك يوميا في هشاشة مادية ورمزية، يقابله أيضا خرق مبدأ الخيار الديمقراطي الدستوري والذي ظهر في غياب أي ديمقراطية في اختيار الأساتذة المشاركين وتعميم المعلومة وتبرير أسباب ودواعي المنتدى.

المفارقة هنا ليست عرضية، بل بنيوية، يُرفع المدرس رمزيا إلى مقام فاعل التغيير، بينما يُعاد تثبيته عملياً داخل شروط تُضعف قدرته على الفعل، لذلك يتحول السؤال من نقد السياسات إلى مساءلة الفرد: ليس لماذا يعيش المدرس الأزمة، بل كيف يمكنه أن يكون أفضل داخلها، هنا ينزلق النقاش من تفكيك البنية إلى تأديب المدرس، ومن مساءلة سياسات الوزارة/ الدولة إلى تحميل المسؤولية لمن يشتغل داخل شروطها.

بهذا المعنى، المنتدى ليس مجرد فضاء حوار، بل آلية لإعادة تشكيل الوعي التربوي، يُنتج صورة مثالية عن مدرس بطل، تستهلك رمزيا لتغطية اختلالات عميقة، وكلما اشتدّ الاحتفاء بالصورة، تراجع الاهتمام بالواقع، الأخطر أن الفشل، حين يقع، يعاد تفسيره كقصور فردي، لا كنتيجة منطقية لبنية مأزومة، فتتحول الأزمة من قضية سياسية إلى مسألة أخلاقية تخص التزام المدرس وكفاءته.

في هذا السياق، يُستبدل النقاش الصراعي حول الأجور، والاستقرار، والكرامة المهنية، بخطاب تقني محايد ظاهريا، لكنه في العمق موقف سياسي يقصي السؤال الجوهري: من يحدد شروط العمل؟ ولصالح من؟ كما أن تهميش النقابات/ رضاها بالتهميش ليس تفصيلا، بل مؤشر على انتقال مقصود من فضاء المطالبة إلى فضاء التدبير، حيث تحولت النقابات إلى ملحقات إدارية تدبر الإجراء الإداري فقط وتصدر بلاغات بين الفينة والأخرى.

هكذا يعاد احتواء التوتر: بدل أن يعبر عنه بحيادية، يستوعب داخل قاعات مكيّفة، بين أشخاص جلهم لا أبناء لهم بالمدرسة العمومية، حيث تتحول المعاناة إلى تجارب تعرض ثم تنسى، بل وتحول إلى قصص نجاح وهمية، لذلك فالسؤال الحقيقي ليس ما ييقال في المنتدى، بل ما لا يسمح بقوله، الكتلة المشاركة لا تكتفي بتقديم الأجوبة، بل تحدد مسبقا حدود الأسئلة الممكنة.

في العمق، نحن أمام عرض مزدوج: خطاب عن الإصلاح، وإخفاء لاستحالته ضمن الشروط القائمة، يطلب من المدرس أن يرى نفسه جزءا من الحل، بينما يحرم من شروط الفعل الحقيقي، وحين تعجز الدولة عن إنصافه، تحتفي به؛ وحين تفشل في الإصلاح، تنتج خطابا عنه كفاعل وحيد في الفشل.

أما خلاصة التقارير الرسمية، وعلى رأسها ما انتهى إليه المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، فتختصر المفارقة بوضوح:

المدرس هو محور الإصلاح في الخطاب، لكنه الحلقة الأضعف في الواقع.

ضعف الجاذبية، خلل التكوين، هشاشة الوضع المهني، ضغط العمل، وإقصاء من القرار… كلها تؤكد أن الأزمة ليست في المدرس، بل في الشروط التي يطلب منه أن ينجح داخلها.

لهذا، فإن المنتدى لا يبدو فضاء للتغيير، بقدر ما هو مسرح لإدارة الوهم، حيث يدعى المدرس ليؤمن بأنه فاعل، بينما يعاد إنتاجه كموضوع داخل بنية لا تمنحه شروط الفعل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.