جريدة إلكترونية مغربية

إدارة الثروة الوطنية: بين النموذج المؤسسي في أبوظبي وتحديات الهدر البنيوي في المغرب

مع ذكرى رحيل الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، يعود إلى الواجهة نموذج «لجنة الشيخ خليفة» لدائرة الخدمات الاجتماعية والمباني التجارية، كمؤسسة رائدة في تحويل العائدات النفطية إلى أصول منتجة تُدر دخلاً دوريا ومستداما على المواطنين. في المقابل، يطرح هذا النموذج أسئلة جوهرية حول إدارة الثروات الوطنية في دول غنية بالموارد مثل المغرب، حيث لا يكمن العجز في ندرة الثروة، بل في آليات توزيعها وتوظيفها.

أبوظبي.. الثروة كأداة تمكين لا إغاثَة

لم تكن فكرة تمويل المباني التجارية دون فوائد مجرد إجراء رعائي عابر، بل استراتيجية اقتصادية مؤسسية حولت المواطن من متلقٍ للمعونات إلى شريك فعلي في عجلة الإنتاج العقاري والتجاري. الفكرة ببساطة: تحويل الثروة السيادية إلى تدفقات دخل مستدامة، دون الوقوع في فخ التوزيع العشوائي أو الشعبوية. وهذا ما يفسر نجاح النموذج في ترسيخ الاستقرار الاجتماعي، وتحفيز الادخار الاستثماري على مستوى الأسر، وربط الرفاه العام بآليات إنتاجية قابلة للاستمرار.

المغرب.. ثروة وفيرة وحوكمة متعثرة

يعترف صناع القرار في المغرب أنفسهم بوفرة الثروات الوطنية. فخطاب جلالة الملك السابق «أين الثروة؟»، وتقديرات المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي (2013) التي قدرت قيمة الثروة الوطنية بأكثر من 1200 مليار دولار، يؤكدان أن الإشكال ليس في الحجم، بل في التدبير. فالمغرب يصدّر نحو 28 مليون طن من الفوسفات سنوياً، ويستخرج 2.8 مليون طن من المعادن، ويملك آلاف الكيلومترات المربعة من الغابات والمقالع والسهول الفلاحية الخصبة والموارد المائية، بالإضافة إلى رأس مال بشري يقارب 40 مليون نسمة. ومع ذلك، تظل الفجوة بين الإمكانيات والنتائج التنموية واسعة.

معوقات الهيكل.. الريع، الحواجز، وهدر القيمة المضافة

تشير معطيات هيئات الرقابة إلى أن الرشوة تستنزف نحو 500 مليار سنتيم سنويا، بينما يتجاوز التهرب الضريبي 200 مليار سنتيم، في ظل غياب آليات تجريم رادعة وفعالة. لكن الخطر الأكبر لا يقتصر على الهدر المباشر، بل يتجلى في البنية الهيكلية لاقتصاد الريع. فالحواجز البيروقراطية والقانونية تحول قطاعات واعدة مثل النقل والصيد والتعدين والتأمين إلى إقطاعات مغلقة، تمنع المنافسة وتُرسّخ الاحتكار.

والأدهى أن غياب الصناعات التحويلية القوية يُبقي المواد الخام تُصدّر بأسعار زهيدة، لتُعاد استيرادها مُصنّعة بضعف قيمتها أو أكثر. فمثلا، يُصدّر الأخطبوط المُصطاد على سواحل الداخلة خاما، ليعاد استيراده من دول أوروبية كمنتج نهائي مُصبر بأسعار تضاعفت مرات عدة. هذه الحلقة تُكرّس تبديداً منهجياً للثروة الوطنية منذ عقود.

توزيع الثروة.. بين الأسطورة والواقع المؤسسي

كثيراً ما يُوصم الحديث عن توزيع عادل للثروة الوطنية بـ«الشعبوية»، لكن التجربة الإماراتية تثبت العكس. فالتوزيع المؤسسي الشفاف، القائم على تمكين المواطنين اقتصادياً وضمان عوائد مستدامة، ليس ترفا سياسيا بل ضرورة تنموية. المشكلة ليست في «إعطاء الناس حصتهم»، بل في غياب الآليات التي تحول الثروة الوطنية إلى فرص إنتاجية حقيقية، بدلاً من تمويل دورات استهلاكية مؤقتة أو مشاريع لا تخلق قيمة مضافة أو فرص عمل دائمة.

من سؤال «أين الثروة؟» إلى «كيف نديرها؟»

بين نموذج يحوّل النفط إلى أصول تُدر الدخل على الأجيال، وواقع يهدر الثروات الطبيعية والبشرية في متاهات الريع والبيروقراطية، تبرز الحاجة الملحة إلى إصلاح جذري في حوكمة الموارد الوطنية. لا يكفي أن تكون الثروة وفيرة، بل يجب أن تكون مُدارة بشفافية، ومُوجهة لخلق قيمة مضافة، ومُوزعة عبر مؤسسات تضمن العدالة والكفاءة. فالسؤال لم يعد «أين الثروة؟»، بل «كيف نديرها؟». والإجابة تقتضي الانتقال من اقتصاد الاستخراج والريع، إلى اقتصاد التحويل والتمكين، حيث تصبح الثروة الوطنية حقاً مؤسسياً لا امتيازاً نخبوياً.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.