جريدة إلكترونية مغربية

تبعمرانت تعود بأغنية ترافع فيها عن الأم والأسرة الأمازيغية وتنتقد تراجع القيم الأسرية

أكادير: إبراهيم فاضل.

في امتداد لمسارها الفني المطبوع بالالتزام بقضايا المجتمع والوفاء لخصوصية الأغنية الأمازيغية، أصدرت الفنانة الأمازيغية فاطمة شاهو تبعمرانت عملا غنائيا جديدا بعنوان «Igh darun ilul warraw – يغ دارون يلول واراو»، ضمن ألبومها «اتبير الجنت» لسنة 2026، حاملة من خلاله خطابا فنيا واجتماعيا يتجاوز حدود التعبير الغنائي، ليلامس تحولات عميقة تعرفها العلاقات الأسرية، وما يرافقها من تراجع في منظومة القيم والتضامن بين الأجيال.

وتختار تبعمرانت في هذا العمل الاشتغال على موضوع عقوق الوالدين وما بات يطرحه من أسئلة مقلقة، في ظل تنامي تأثير التحولات الاجتماعية والثقافية وأنماط الحياة الجديدة على الروابط العائلية. ولا تقف الأغنية عند حدود التنديد بهذا السلوك، بل تتجه إلى مساءلة الأسباب والظروف التي ساهمت في إضعاف علاقات كانت تشكل، إلى وقت قريب، إحدى الركائز الأساسية لتماسك الأسرة المغربية، وفي مقدمتها قيم البر والإحسان والاعتراف بتضحيات الآباء والأمهات.

وتحظى الأم بحيز مركزي في الرؤية النقدية التي يحملها هذا العمل، باعتبارها الطرف الأكثر استحضارا لتداعيات هذا التحول، والأكثر التصاقا بتجربة التضحية والتربية والرعاية. فمن خلال استحضار وضع المرأة داخل الأسرة، تقدم تبعمرانت، بصورة فنية ذات أبعاد اجتماعية وإنسانية، ما يشبه مرافعة رمزية دفاعا عن الأم وحقوقها المعنوية، وعن المكانة التي ينبغي أن تحتلها داخل منظومة أسرية باتت بعض مكوناتها مهددة بالتفكك والتباعد.

وتتخذ هذه الرسالة أبعادا أكثر دلالة حين نستحضر واقع المجال القروي، الذي عرف خلال العقود الأخيرة تحولات ديمغرافية واجتماعية متسارعة، بفعل الهجرة المتزايدة للأزواج والرجال والأبناء بحثا عن فرص الشغل ومصادر العيش. وهو ما جعل عددا من الأسر والبيوت القروية تعيش على إيقاع غياب الرجال، مقابل استمرار النساء، وفي مقدمتهن الأمهات، في تحمل أعباء الحياة اليومية والمحافظة على ما تبقى من تماسك الأسرة والذاكرة العائلية.

ومن هذه الزاوية، لا تبدو الأغنية مجرد استعادة لحنين إلى زمن مضى، بقدر ما تمثل قراءة نقدية لتحول العلاقة بين الآباء والأبناء، وللمفارقة التي قد تنشأ حين تتحول مسارات التربية والتنشئة إلى نتائج مغايرة للقيم والمبادئ التي تأسست عليها. إنها مساءلة فنية لواقع اجتماعي تتراجع فيه أحيانا روابط الاعتراف والوفاء، رغم ما راكمته الأمهات والآباء من تضحيات في سبيل ضمان مستقبل أبنائهم.

وتكمن أهمية هذا الإنتاج أيضا في امتداده إلى تقليد فني راسخ داخل تجربة فن ” تيرويسا”، باعتبارها فضاء للتعبير عن قضايا الإنسان الأمازيغي وانشغالاته اليومية، وليس مجرد قالب موسيقي للترفيه والاستهلاك. فقد اضطلعت الأغنية الأمازيغية، منذ بدايات تشكل تجربتها الحديثة خلال القرن العشرين، بأدوار تتجاوز الأداء الفني، لتصبح وعاء للذاكرة الشفوية، ووسيلة لرصد التحولات الاجتماعية، ومنبرا للتوعية والنقد والتوجيه.

وفي هذا السياق، تواصل الفنانة فاطمة شاهو تبعمرانت استثمار الإمكانات التعبيرية للأغنية الأمازيغية، من خلال تحويل القضايا الاجتماعية إلى مادة فنية قابلة للتأمل والمساءلة، حيث لا تكتفي بتوثيق مظاهر التحول، وإنما تسعى إلى قراءتها وتأويلها وإبراز ما تنطوي عليه من اختلالات. وهنا تتجلى قيمة الأغنية باعتبارها وثيقة شفوية ذات حمولة ثقافية واجتماعية، تحفظ تفاصيل من حياة المجتمع وتمنحها في الوقت ذاته بعدا نقديا وتوعويا.

ويأتي هذا العمل في مرحلة تعرف فيها الأغنية الأمازيغية تحديات مرتبطة بتغير أذواق الجمهور، وهيمنة منطق الانتشار السريع على المنصات الرقمية، وتصاعد حضور الإنتاجات المرتبطة بثقافة المهرجانات والاستهلاك الموسمي. وهي تحولات تطرح بإلحاح سؤال المحافظة على هوية الأغنية الأمازيغية ووظيفتها الثقافية، وضمان استمرار الأعمال التي تمنح للكلمة واللحن مضمونا إنسانيا واجتماعيا يتجاوز الاعتبارات التجارية والآنية.

إن اغنية ” Igh darun ilul warraw ” ليست، في دلالتها العامة، مجرد إصدار جديد ضمن ريبرتوار فاطمة تبعمرانت، بل هي عودة إلى وظيفة الأغنية الملتزمة، حيث يتحول الصوت إلى وسيلة للدفاع عن قيم الأسرة، واستحضار مكانة الأم، والتنبيه إلى مخاطر التباعد بين الأجيال. وبذلك تؤكد تبعمرانت أن الأغنية الأمازيغية قادرة على مواكبة التحولات دون التخلي عن رسالتها، وأن الفن حين ينصت إلى نبض المجتمع يستطيع أن يتحول إلى ذاكرة نقدية ونداء إنساني من أجل استعادة دفء الروابط الأسرية وصون ما تبقى من قيم الوفاء والتضامن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.