«ساحر رغماً عنه» تختتم جولتها الوطنية بنجاح.. 3000 طفل وطفلة يكتشفون سحر المسرح المغربي
اختتمت جمعية مسرح الخميسات سيني تياتر جولتها المسرحية بعملها الموجه للأطفال «ساحر رغماً عنه»، بعد مسار فني وتربوي شمل عدداً من المدن المغربية، واستقطب ما يقارب 3000 طفل وطفلة، في تجربة جديدة تؤكد أهمية المسرح باعتباره فضاءً للإبداع والتربية والتثقيف، ووسيلة فعالة لترسيخ القيم الإنسانية والسلوك الإيجابي لدى الناشئة.
وتندرج هذه الجولة، المدعومة من وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة، ضمن الدينامية الفنية التي تقودها الجمعية من أجل توسيع دائرة الاستفادة من العروض المسرحية الموجهة للأطفال، وتعزيز حضورها داخل المؤسسات والفضاءات الثقافية بمختلف مناطق المملكة، إيماناً منها بأن الاستثمار في ثقافة الطفل يشكل مدخلاً أساسياً لبناء أجيال أكثر إبداعاً وانفتاحاً وقدرة على التفاعل مع محيطها.
«ساحر رغماً عنه».. فرجة مسرحية برهانات تربوية
من تأليف وإخراج الفنان عبد الرحمن بندحو، قدمت مسرحية «ساحر رغماً عنه» تجربة فنية تستثمر الحكاية والخيال والتعبير الجسدي والتفاعل المسرحي، لتقريب مضامين تربوية وأخلاقية من المتلقي الصغير، في قالب يجمع بين المتعة والفائدة، ويستجيب لخصوصيات الطفل النفسية والمعرفية.
وقد حرص العمل على تقديم رسائله بأسلوب فني سلس، يجعل من الفرجة مناسبة للتعلم واكتشاف الذات وفهم العلاقات الإنسانية والاجتماعية، بعيداً عن التلقين المباشر، من خلال توظيف أدوات المسرح في بناء مواقف تحفز الخيال وتدفع الطفل إلى التفكير والتفاعل.
وتبرز أهمية هذا الاختيار الفني في قدرته على جعل الطفل شريكاً وجدانياً في العرض، لا مجرد متفرج يتابع أحداثه، وهو ما يمنح مسرح الطفل خصوصيته باعتباره فناً يتطلب وعياً بطبيعة الجمهور المستهدف، وقدرة على الجمع بين التشويق والجودة الفنية والرسالة التربوية.
نجيب بنصرو.. تجربة احترافية تمنح العرض عمقاً أدائياً
على مستوى الأداء التمثيلي، شكل حضور الفنان نجيب بنصرو إحدى المحطات الفنية البارزة في العرض، بالنظر إلى تجربته المهنية التي راكم من خلالها مساراً غنياً في مجالات المسرح والتلفزيون والسينما، فضلاً عن الجوائز الوطنية والدولية التي حصدها في فن الأداء والتشخيص.
ويأتي إسهام بنصرو في هذا العمل امتداداً لتجربة فنية قائمة على التراكم المعرفي والممارسة الاحترافية، حيث يلتقي الوعي بأدوات التشخيص مع القدرة على التواصل مع مختلف فئات الجمهور، ولا سيما الأطفال الذين يتطلب استقطابهم أداءً صادقاً ومقنعاً، وحضوراً ركحياً قادراً على شد الانتباه وتحويل المواقف الدرامية إلى لحظات حية من التفاعل والفرجة.
إن تجربة فنان راكم خبرة واسعة في الأداء المسرحي والسمعي البصري تضيف إلى العمل قيمة فنية خاصة، ليس فقط من خلال التشخيص، بل أيضاً عبر المساهمة في خلق التوازن بين إيقاع العرض ومتطلبات الحكاية وطبيعة التلقي لدى الطفل.
ويعكس هذا الحضور أهمية الاستفادة من الخبرات الفنية المحترفة في إنتاج أعمال موجهة للناشئة، باعتبار أن مسرح الطفل لا يقل قيمة أو تعقيداً عن مسرح الكبار، بل يحتاج إلى أدوات تعبيرية دقيقة، وحس فني وتربوي قادر على مخاطبة مخيلة الطفل وإثارة اهتمامه.
وقد شارك في تشخيص أدوار المسرحية، إلى جانب نجيب بنصرو، كل من الفنان عبد الرحمن بندحو واليافع الموهوب محمود أمين بندحو، في تجربة جمعت بين الخبرة الفنية والحضور الشاب، ضمن رؤية تسعى إلى تقديم عرض متكامل يستجيب لمتطلبات الفرجة المسرحية الموجهة للأطفال.
كما ساهم المهدي مزي، بصفته محافظاً، وأمينة ديدان، المكلفة بإدارة الخشبة، في تأمين الجوانب التنظيمية والفنية المرتبطة بتقديم العروض، بما يعكس أهمية العمل الجماعي وتكامل الأدوار في إنجاح الجولات المسرحية.
جمعية مسرح الخميسات سيني تياتر.. مسار متواصل في خدمة مسرح الطفل
لا يمكن قراءة نجاح جولة «ساحر رغماً عنه» بمعزل عن التجربة التي راكمتها جمعية مسرح الخميسات سيني تياتر في مجال الإنتاج المسرحي، وخصوصاً الأعمال الموجهة للأطفال، حيث جعلت من مسرح الناشئة أحد المكونات الأساسية لمشروعها الثقافي والفني.
وعلى امتداد مسارها، اشتغلت الجمعية على إنتاج وتقديم أعمال مسرحية تستحضر خصوصيات الطفولة، وتراهن على الخيال والتعبير والفرجة الهادفة، مع الانفتاح على الخصوصيات الثقافية واللغوية المغربية، بما فيها المكون الأمازيغي، الذي يشكل أحد روافد الهوية الثقافية الوطنية.
وتندرج هذه التجربة ضمن رؤية فنية تعتبر أن مسرح الطفل ليس نشاطاً موسمياً أو مجرد وسيلة للترفيه، بل مجال إبداعي وتربوي يستحق الاستثمار المستمر، سواء على مستوى الكتابة والإخراج والتشخيص، أو من خلال توفير فرص العرض والتواصل المباشر مع الجمهور الصغير.
ومن هذا المنطلق، تشكل الجولة الوطنية للمسرحية امتداداً لجهود الجمعية الرامية إلى إيصال الإنتاج المسرحي إلى جمهور أوسع، وتجاوز حصر الأنشطة الثقافية في المراكز الكبرى، بما يتيح للأطفال في مختلف المدن فرصة الاستفادة من الفرجة المسرحية والتفاعل مع تجارب فنية متنوعة.
من الحاجب إلى الدار البيضاء.. المسرح يقترب من جمهوره
جابت الجولة عدداً من المحطات، من بينها الحاجب وآزرو ومولاي إدريس زرهون ومكناس، وصولاً إلى الدار البيضاء، التي احتضنت أربعة عروض مسرحية بكل من مسرح بن مسيك، والمركب الثقافي مديونة، والفضاء الثقافي للمديرية الجهوية لقطاع الثقافة بالدار البيضاء «أرتميتاج»، والمركب الثقافي عبد الصمد الكنفاوي.
كما شملت المحطات الختامية مدينتي الخميسات وأبي القنادل، لتكتمل بذلك جولة فنية وتربوية وضعت الطفل في صلب اهتمامها، وجعلت من الانتقال بين المدن فرصة لتوسيع دائرة التواصل الثقافي، وتعزيز العلاقة بين المؤسسات والجمعيات الفنية والجمهور الناشئ.
وقد بلغ عدد الأطفال المستفيدين من مختلف العروض ما يقارب 3000 طفل وطفلة، وهو رقم يعكس الإقبال على المبادرات المسرحية الموجهة للناشئة، ويبرز الحاجة إلى مواصلة برمجة مثل هذه الأعمال داخل المؤسسات التعليمية والثقافية، مع العمل على ضمان استمرارية العروض وتوسيع نطاقها الجغرافي.
ولا تقتصر دلالة هذا الحضور الجماهيري على عدد المستفيدين فحسب، بل تمتد إلى ما يتيحه المسرح من فرص لاكتشاف الفنون، وتنمية الحس الجمالي، وتعزيز مهارات الإصغاء والتفاعل والتعبير، في سياق تربوي يجعل الثقافة جزءاً من النمو المتوازن للطفل.
المسرح.. استثمار في الإنسان والمستقبل
إن تجربة «ساحر رغماً عنه» تقدم نموذجاً للمبادرات الفنية التي تسعى إلى الجمع بين الجودة الإبداعية والغاية التربوية، وتؤكد أن نجاح مسرح الطفل يرتبط بتكامل مجموعة من العناصر، من بينها النص والإخراج والتشخيص، والتنظيم المحكم، والقدرة على الوصول إلى الجمهور في مختلف الفضاءات.
كما تعيد هذه التجربة التأكيد على أهمية الدعم العمومي الموجه إلى الإنتاج المسرحي، باعتباره رافعة أساسية لتمكين الفرق والجمعيات من تطوير مشاريعها، وتحسين جودة أعمالها، وتوسيع دائرة المستفيدين من خدماتها الثقافية والفنية.
وفي هذا السياق، تواصل جمعية مسرح الخميسات سيني تياتر العمل على ترسيخ مكانة المسرح ضمن المشهد الثقافي المحلي والوطني، من خلال مشاريع تستحضر دور الفن في التنشئة والتربية، وتمنح الأطفال فرصة للتعرف على المسرح بوصفه فضاءً للحوار والخيال والاكتشاف.
وبنجاح جولتها، تؤكد «ساحر رغماً عنه» أن المسرح الموجه للأطفال قادر على تجاوز حدود الترفيه العابر، ليصبح تجربة إنسانية وفنية تترك أثرها في وجدان الناشئة، وتفتح أمامهم نوافذ جديدة على الإبداع والمعرفة.
«ساحر رغماً عنه».. جولة تختتم عروضها، لكنها تترك رسالة مفتوحة: حين يلتقي الإبداع الفني بالرهان التربوي، تصبح خشبة المسرح مساحة لصناعة المتعة، وغرس القيم، وبناء أجيال تؤمن بقوة الفن والثقافة في تشكيل المستقبل.