كراء المحلات التجارية بمراكش.. أثمنة خيالية وكراء خارج العقود يثيران تساؤلات حول حقوق التجار والواجبات الضريبية
في قلب مدينة مراكش، وتحديداً بممر الأمير مولاي رشيد، يطفو على السطح ملف كراء المحلات التجارية بأثمنة جد مرتفعة، في ظل ممارسات تطرح علامات استفهام حول شفافية المعاملات، وحقوق المكتَرين، ومدى احترام الالتزامات القانونية والضريبية.
فحسب المعطيات المتداولة، هناك محلات تجارية لا تتجاوز مساحتها 12 متراً مربعاً، يتم استغلالها مقابل مبالغ مالية مرتفعة للغاية، تصل في بعض الحالات إلى تلاتة آلاف درهم يومياً، أي ما يعادل نحو 90 ألف درهم شهرياً وهناك من يدفع اكتر من هذا المبلغ .
الأمر لا يتعلق فقط بارتفاع السومة الكرائية، بل يتجاوز ذلك إلى طريقة تدبير العلاقة بين المكري والمكتري. إذ يُثار الحديث عن محلات تُستغل دون عقود كراء مكتوبة، وعن مبالغ مالية يجري تحصيلها يومياً، مع الاستعانة بشخص يتولى فتح المحل صباحاً وإغلاقه مساءً، في ظروف يُقال إنها تهدف إلى تفادي ترك ما يثبت العلاقة الكرائية.
عندما يتحول غياب العقد إلى وسيلة للتهرب من المسؤولية
الأكثر إثارة للقلق هو ما يُروى عن حالات نزاع بين المكري والمكتري، خصوصاً عندما يطالب مالك المحل بالزيادة في السومة الكرائية، ويرفض المكتري الاستجابة لها، قبل أن تتطور الأمور، حسب الرواية المتداولة، إلى إخراج السلع ليلا من المحل وإنكار وجود علاقة كرائية من الأساس.
وفي إحدى الحالات التي يُشار إليها، يتوفر المكتري، بحسب المعطيات المقدمة، على تسجيل مصور يوثق عملية إخراج سلعه ليلاً وإغلاق المحل، في مشهد يطرح تساؤلات جدية حول مدى احترام حقوق المكتري والضمانات القانونية المرتبطة باستغلال الأصل التجاري.
إن غياب عقد مكتوب لا يعني بالضرورة انعدام العلاقة الكرائية، إذ يمكن إثباتها، بحسب ظروف كل قضية ووسائل الإثبات المقبولة قانوناً. كما أن تسجيل الأداءات، والمراسلات، والشهادات، والتسجيلات المصورة التي يتم الحصول عليها بصورة مشروعة، قد تكون عناصر مهمة أمام القضاء، مع خضوعها لتقدير المحكمة.
أما فرض الزيادة في الكراء أو إنهاء العلاقة الكرائية، فلا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لانتزاع حيازة المحل أو إخراج ممتلكات المكتري خارج المساطر القانونية.
إشكالية الأصل التجاري وحقوق المكتري
تكتسي هذه الممارسات، إن ثبتت، خطورة خاصة عندما يتعلق الأمر بتاجر بنى نشاطه التجاري على مدى سنوات، واستثمر في السلع والتجهيزات والزبناء والسمعة التجارية للمحل.
فالعلاقة الكرائية التجارية ليست مجرد مبلغ مالي يُدفع لمالك العقار، بل قد ترتبط بحقوق ومصالح تجارية تستحق الحماية وفقاً للقانون المنطبق على الحالة. ومن هنا تبرز أهمية توثيق العلاقة الكرائية، وإثبات الأداءات، وتحديد الالتزامات المتبادلة بين الطرفين، تفادياً لتحويل النزاع حول السومة الكرائية إلى وسيلة للإضرار بالمكتري أو بنشاطه التجاري.
أين هي المراقبة الضريبية؟
إلى جانب الجانب القانوني، تبرز مسألة أخرى لا تقل أهمية، تتعلق بمدى التصريح بالمداخيل المتأتية من كراء هذه المحلات، ومدى مطابقتها للمبالغ التي يتم تحصيلها فعلياً.
فإذا صحت المعطيات المتعلقة بأداء مبالغ يومية تصل إلى تلاتة آلاف درهم، أو حتى خمسة آلاف درهم في إحدى عمليات الكراء التي يُشار إلى أنها تمت مؤخراً لمحل تجاري لا تتعدى مساحته أربعون مترا تقريبا ، فإن الأمر يستدعي التحقق من حقيقة هذه المعاملات، وطبيعة المبالغ المؤداة، ومدى التصريح بالمداخيل المستحقة عنها.
ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى تدخل المصالح المختصة بالإدارة العامة للضرائب، من أجل التحقق من الوضعية الجبائية للمحلات المعنية بممر الأمير مولاي رشيد، ومقارنة المداخيل المصرح بها، عند الاقتضاء، مع المعطيات التي يمكن إثباتها بشأن المبالغ المحصلة فعلياً. فهذه الدعوة لا تعني الجزم بوجود تهرب ضريبي، وإنما المطالبة بتوضيح الوقائع وترتيب الآثار القانونية إذا ثبتت أي مخالفات.
تاجر يستغل عدة محلات.. وأسئلة تنتظر الأجوبة
وتزداد أهمية الموضوع، حسب المعطيات المتداولة، عندما يتعلق الأمر بمكتَرٍ يستغل عدة محلات تجارية بمراكش، في ظل مبالغ كرائية مرتفعة ومتفاوتة، وغياب عقود مكتوبة في بعض الحالات التي يجري الحديث عنها.
وهنا تطرح أسئلة مشروعة: كيف يتم توثيق هذه المعاملات؟ وهل يتم تسليم وصولات عن المبالغ المؤداة؟ وهل تعكس التصريحات الجبائية حقيقة المداخيل؟ وما مدى احترام حقوق أصحاب المحلات والمكتَرين على حد سواء؟
كما أن ارتفاع المبالغ المتداولة يطرح تساؤلاً اقتصادياً حول الجدوى التجارية لهذه الأنشطة، لكنه لا يسمح وحده باستنتاج طبيعة الأرباح أو وجود مخالفات، إذ إن ذلك يظل رهيناً بالمعطيات المالية والمحاسبية الفعلية.
إن المطلوب ليس التشهير بأي طرف أو إصدار أحكام مسبقة، بل فتح باب التحقق أمام الجهات المختصة، وحماية حقوق التجار، وضمان الشفافية في المعاملات التجارية والكرائية.
فهل تتحرك المصالح الضريبية والجهات المعنية لمعاينة الوضع بممر مولاي رشيد، والتحقق من حقيقة هذه الممارسات؟ أم ستظل بعض المعاملات الكرائية بعيدة عن التوثيق والمراقبة، في وقت تحتاج فيه المدينة إلى مزيد من الشفافية وتكافؤ الفرص واحترام القانون؟