جريدة إلكترونية مغربية

ما الذي يجعل المواطن يخرج من الإدارة وهو أكثر ثقة في وطنه؟

بقلم: لطيفة بنعاشير

ليست كل الحكايات تبدأ من داخل قاعات الاجتماعات، ولا كل الدروس تُلقى من فوق المنصات.
أحيانًا، تبدأ الحكاية من صورة على شاشة هاتف، أو من خبر يتداوله الناس، ثم تمتد لتطرح سؤالًا أكبر: ما الذي يجعل المواطن يخرج من الإدارة وهو أكثر ثقة في وطنه؟
هذا السؤال رافقني وأنا أتابع، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حفل تنصيب عبد الحق الباشا قائدًا جديدًا لقيادة آيت أوريبل – مجمع الطلبة بإقليم الخميسات.
لم أكن حاضرة في الحفل، لكنني تابعت تفاصيله كما تابعها كثير من أبناء الإقليم، واستوقفتني كلمة رئيس قسم الشؤون الداخلية بعمالة الخميسات، حسن لعريف، وهو يتحدث عن المفهوم الجديد للسلطة الذي أرسى دعائمه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، والقائم على القرب من المواطن، والإنصات إليه، والعمل الميداني، وتعزيز الحكامة، وجعل الإدارة في خدمة الإنسان.
قد يعتقد البعض أن مثل هذه الكلمات تُقال في كل المناسبات الرسمية.
لكن بالنسبة إلي، جاءت في توقيت جعلها تكتسب معنى مختلفًا.
ففي الوقت نفسه تقريبًا، كنت متوجهة إلى ولاية أمن القنيطرة، من أجل قضاء شأن شخصي يتعلق بوثائق وملفات تخصني.
وقبل تلك الزيارة، كنت قد تابعت، مثل كثير من المواطنين، ما يُنشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن السيد والي أمن القنيطرة وعن الأطر الأمنية والإدارية التي تشتغل إلى جانبه.
دخلت المؤسسة كما يدخلها أي مواطن.
لا أحمل سوى ملفاتي، ولا أبحث عن امتياز، ولا عن معاملة خاصة.
كنت أبحث فقط عن حقي في أن أُستقبل باحترام، وأن أشرح سبب حضوري، وأن أجد من ينصت إليّ.
وكان ذلك ما لمسته في تلك الزيارة.
خرجت بانطباع شخصي مفاده أن ما عشته كان منسجمًا مع الصورة الإيجابية التي كنت أتابعها. وهي تجربة تخصني، ولا تعني بالضرورة أن تجارب جميع المواطنين متطابقة، لكنها جعلتني أستحضر قيمة قد نغفل عنها أحيانًا؛ وهي أن احترام المواطن هو أول تجليات هيبة الدولة.
ومن خلال اهتمامي ومتابعتي للشأن المحلي بإقليم الخميسات، لفت انتباهي أيضًا ما يراه عدد من المتابعين من دينامية أكبر داخل قسم الشؤون الداخلية بعمالة الخميسات منذ تولي الييد رئيس قسم الشؤون الداخلية حسن لعريف هذه المسؤولية، سواء من حيث تتبع الملفات، أو الانفتاح على مختلف المتدخلين، أو الحرص على أداء المهام التي يحددها القانون، والتواصل مع المصالح المختصة كلما اقتضت المصلحة العامة ذلك.
وربما لهذا السبب، أصبح الأمل أكبر في أن تتعزز ثقافة الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وأن تُدار الملفات بمعايير الاستحقاق وسيادة القانون، لأن المواطن لا يبحث عن الامتيازات، بل عن العدالة وتكافؤ الفرص.
الخميسات ليست مدينة ينقصها الرجال والنساء الأكفاء.
ولا ينقصها حب الوطن.
ما تحتاج إليه هو استمرار بناء مؤسسات قوية، تجعل من خدمة المواطن أولويتها، وتؤمن بأن المنصب تكليف قبل أن يكون تشريفًا.
لقد تعلمت من تجاربي أن المواطن لا يطلب المستحيل.
لا ينتظر أن تُحل جميع مشاكله في يوم واحد.
لكنه ينتظر أن يُعامل باحترام، وأن يجد بابًا مفتوحًا، وأذنًا صاغية، وإدارة تشعره بأنه ليس رقمًا في ملف، بل إنسانًا له كرامة وحقوق.
وليس هدفي من هذا المقال الإشادة بأشخاص، فالأشخاص يأتون ويغادرون، أما المؤسسات فهي التي تبقى.
ما يستحق الإشادة هو كل ممارسة تعزز ثقة المواطن في دولته، وكل مسؤول يجعل من الإنصات ثقافة، ومن احترام الإنسان سلوكًا يوميًا، ومن خدمة الوطن رسالة يؤديها بإخلاص.
وقد نختلف مع مسؤول في بعض القرارات أو التقديرات، وهذا أمر طبيعي، لكن الاختلاف لا ينبغي أن يمنعنا من الاعتراف بما نراه إيجابيًا، كما أن الإشادة لا ينبغي أن تمنعنا من النقد حين يكون النقد في محله.
فالوطن لا يبنى بالمجاملة، ولا بالرفض الدائم.
بل يُبنى بالإنصاف.
أما أنا، فلا أؤمن بما يسمى “المغرب النافع” و”المغرب غير النافع”.
أؤمن بمغرب واحد.. من طنجة إلى الكويرة.. ومن المدن الكبرى إلى أصغر الدواوير.
مغرب يصنعه المواطن البسيط، ورجل السلطة، ورجل الأمن، والموظف، والأستاذ، والطبيب، وكل من يؤدي عمله بإخلاص.
مغرب تكون فيه الإدارة عنوانًا للثقة، لا للخوف.
ويكون فيه المسؤول قريبًا من المواطن، لأن قربه من المواطن هو في النهاية قربه من الوطن.
فما الذي يجعل المواطن يخرج من الإدارة وهو أكثر ثقة في وطنه؟
ليس المبنى.. ولا المنصب.. ولا البروتوكول.. بل ذلك الشعور الصادق بأن الدولة كانت تنصت إليه، وتحترمه، وتعامله بكرامة.
هناك فقط.. لا يغادر المواطن الإدارة وحده بل يغادرها وهو يحمل معه شيئًا اسمه الثقة..
والثقة هي أعظم استثمار يمكن أن تبنيه أي دولة بين مؤسساتها ومواطنيها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.