جريدة إلكترونية مغربية

بين فرحة الانتصار وأسئلة الميدان.. هل تعلمنا حقا كيف نحتفل؟

لطيفة بنعاشير

في ساحة البلدية بالقنيطرة، لم تكن هناك مباراة فقط.
كان هناك وطن كامل خرج إلى الشارع بحثًا عن لحظة فرح. أطفال يركضون بأعلام مغربية أكبر من أجسادهم الصغيرة، وأمهات يوزعن الزغاريد، وشباب يهتفون باسم المغرب وكأنهم يستعيدون شيئًا من الأمل.
وفي الجهة الأخرى من المشهد، كانت هناك مدينة أخرى تعمل بصمت.
رجال الأمن الوطني، والقوات المساعدة، والسلطات المحلية، والوقاية المدنية، والهلال الأحمر المغربي، وفرق وزارة الصحة التي وضعت سيارتي إسعاف تابعتين لـSAMU في حالة تأهب.


في مثل هذه الليالي، لا تحتفل المؤسسات، بل تسهر حتى يظل الفرح آمنًا.
وربما لا ينتبه الكثيرون إلى أن نجاح الاحتفال لا يقاس فقط بعدد الأعلام المرفوعة، بل أيضًا بعدد الأشخاص الذين عادوا إلى بيوتهم سالمين.
لكن الفرح، حين يخرج إلى الشارع، يكشف أيضًا وجوهًا أخرى للمجتمع.
يكشف قدرتنا على الحب ويكشف أيضًا هشاشتنا أمام الفوضى.
خلال هذه الليلة، عاينت حالات إغماء وتدخلات صحية، وشبابًا في حالات غير طبيعية، ومشادات كلامية، وتدخلات أمنية فرضتها طبيعة اللحظة وضغط الميدان.
كما شهد مقر المداومة بالمنطقة الأمنية ضغطًا كبيرًا بعد اقتياد عدد من الأشخاص الذين دخل بعضهم في أخذ ورد مع عناصر الأمن.


ومن بين العبارات التي استوقفتني، ما قاله أحد الأشخاص:
“علينا أولًا أن نتعلم كيف نحتفل قبل أن نحلم بالاحتفال بكأس العالم.”
جملة عابرة، لكنها تطرح سؤالًا عميقًا:
هل تعلمنا فعلًا ثقافة الاحتفال؟
هل يكفي أن نرفع العلم المغربي حتى نكون قد انتصرنا؟
أم أن الانتصار الحقيقي هو أن نحمي بعضنا ونحن نحتفل؟
ومن بين المشاهد التي استوقفتني أيضًا، حالة شاب كان، بحسب ما تمت معاينته، في وضع غير طبيعي وتحت تأثير الكحول.
كان يردد عبارات نابية ويرفع صوته، وفي الوقت نفسه كان يصرخ، وفق روايته، بأنه تعرض للعنف من طرف رجال الشرطة أثناء اقتياده، مطالبًا بنقله إلى المستشفى لأنه، بحسب قوله، يعاني من كدمات وآثار عنف.
وخلال وجودي داخل مقر المداومة، عاينت مشادات كلامية وتوترًا كبيرًا بينه وبين بعض عناصر الأمن. كما كان يردد، وفق تصريحاته، أنه تعرض للتعنيف.
غير أن تحديد الوقائع وترتيب المسؤوليات القانونية بشأنها يبقى من اختصاص الجهات المختصة وحدها، عبر البحث والتحقيق والاستماع إلى مختلف الأطراف.
وفي زاوية أخرى من الساحة، وجدت نفسي، للحظات، جزءًا من الحدث الذي جئت لتغطيته.
فأثناء توثيق أحد التدخلات الأمنية تجاه شخص بدا، بحسب ما تمت معاينته، في حالة غير طبيعية، تم منعي من التصوير، كما تعرضت للمس بيدي أكثر من مرة رغم إبدائي رفضي الصريح لذلك كامرأة وأثناء أداء عملي.
ولم يكن ما استوقفني هو الواقعة في حد ذاتها، بل كون هذا المنع لم يُطبق على باقي الزملاء المراسلين الموجودين بعين المكان.
لم تكن تلك اللحظة بالنسبة إليّ مواجهة مع مؤسسة، بل كانت لحظة أسئلة.
هل كان الأمر سوء فهم فرضه ضغط الميدان؟
هل كان اجتهادًا فرديًا؟
أم أننا ما زلنا في حاجة إلى بناء مزيد من الجسور بين العمل الأمني والعمل الإعلامي؟
وأميل، انطلاقًا مما عشته شخصيًا، إلى اعتبار ما حدث تصرفًا فرديًا واجتهادًا شخصيًا، لا يمكن أن يختزل مؤسسة وطنية بحجم المديرية العامة للأمن الوطني.
فالمديرية العامة للأمن الوطني، كما يعرفها المغاربة، راكمت خلال السنوات الأخيرة خطوات مهمة في مجال تحديث المرفق الأمني وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان والانفتاح على آليات الشفافية والمساءلة.
كما أنها تتيح للمواطنين إمكانية تقديم الشكايات والتظلمات إذا اعتبروا أنهم تعرضوا لسوء معاملة أو لتجاوز أثناء تدخل أمني، ويتم فتح الأبحاث اللازمة وترتيب الآثار القانونية إذا ثبت أي تجاوز. كما يبقى باب اللجوء إلى القضاء والمتابعة القانونية مفتوحًا لكل من يرى أن حقوقه قد مست.
وهذا في حد ذاته مؤشر على أن المؤسسات القوية لا تدعي الكمال، بل تفتح أبواب التصحيح والمساءلة.
وفي دولة الحق والقانون، لا تُحسم الوقائع بالانطباعات، بل بالبحث والتحقيق والأدلة.
لأن القانون يجب أن يطبق على الجميع:
على المواطن إذا تجاوز القانون.
وعلى رجل الأمن إذا ثبت تجاوزه.
وعلى الصحفي إذا خرج عن حدود مهنته.
فلا أحد فوق القانون، ولا أحد خارج حمايته.
ورغم كل ما عاينته من توتر وضغط، لا يمكن إلا أن أسجل حجم المسؤولية الملقاة على عاتق رجال ونساء الأمن، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة حشود كبيرة، وأشخاص في حالات غير طبيعية، وساعات طويلة من العمل المتواصل.
إن الحفاظ على الأمن خلال مثل هذه المناسبات ليس مهمة سهلة، بل هو عمل شاق لا يراه كثيرون إلا عندما يحدث خلل.
ولهذا، فإن النقد لا يجب أن يكون هدمًا للثقة في المؤسسات، بل دعوة إلى تقويتها.
وربما حان الوقت لطرح بعض المقترحات البناءة:
– تعزيز التكوين المستمر في تدبير الحشود والتواصل في الأوضاع الاستثنائية.
– تعزيز ثقافة حقوق الإنسان لدى جميع المتدخلين، مواطنين ومؤسسات.
– تنظيم لقاءات ودورات مشتركة بين الإعلاميين والأجهزة الأمنية لتوضيح الحقوق والواجبات وتفادي سوء الفهم أثناء التغطيات الميدانية.
– إطلاق حملات تحسيسية حول ثقافة الاحتفال المسؤول، خاصة لدى الشباب.
– تشجيع المواطنين على اللجوء إلى الآليات القانونية والمؤسساتية عند الشعور بأي ضرر أو تجاوز.
لقد انتصر المنتخب، واحتفلت القنيطرة حتى ساعات متأخرة من الليل.
لكن الانتصار الأكبر الذي نحتاج إليه ليس فقط في الملاعب.
إنه أن نتعلم كيف نجعل من الفرح فرصة لتعزيز المواطنة، واحترام المؤسسات، وصون الكرامة الإنسانية.
لأن الأوطان لا تُقاس فقط بعدد المباريات التي تفوز بها، بل أيضًا بقدرتها على حماية الإنسان وهو يحتفل.
وفي نهاية تلك الليلة، بقي سؤال واحد يرافقني وأنا أغادر ساحة البلدية:
إذا كنا نحلم بتنظيم أكبر التظاهرات العالمية… فهل بدأنا أولًا بتعلم فن الاحتفال، وفن الاختلاف، وفن احترام الإنسان؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.