قطاع النظافة من أكثر الملفات الحارقة والاستراتيجية التي تواجه الجماعات الترابية
يُعد تدبير قطاع النظافة وجمع النفايات المنزلية من أكثر الملفات الحارقة والاستراتيجية التي تواجه الجماعات الترابية (المحلية). وقد مرّ هذا المرفق الحيوي بتحولات عميقة، تذبذبت بين التدبير المباشر (بإمكانيات الجماعة الذاتية) والتوجه نحو التدبير المفوض (الاستعانة بالشركات الخاصة)، وهو الخيار الذي يواجه اليوم تحديات وإشكالات حقيقية على مستوى الممارسة الميدانية والمالية.
وقد طرحت وزارة الداخلية (عبر المديرية العامة للجماعات الترابية) مجموعة من الحلول والبدائل للحد من هذا النزيف، دفتراً للتحملات نموذجياً وجملة من الشروط الصارمة لإعادة التوازن لهذه العقود.
الهدف الأساسي هو الانتقال من منطق “الأداء مقابل الكمية” إلى منطق “الأداء مقابل جودة الخدمة والمردودية الميدانية”.
وهاته أبرز المستجدات والشروط الصارمة التي تم إقرارها لتطويق الاختلالات المالية والتدبيرية:
1. مراجعة طريقة الأداء: القطع مع “هاجس الطن” لمواجهة تلاعبات نفخ الأوزان واستنزاف المالية، فرضت التوجيهات الجديدة تغيير آلية احتساب المستحقات:
* الأداء الجزافي المشروط (Forfaitization): تحديد كلفة مالية جزافية شهرية أو سنوية ثابتة للخدمة بناءً على دراسة تقنية مسبقة لحجم الأحياء وعدد الساكنة، بدل ترك الفاتورة مفتوحة حسب الأطنان المجموعه.
* ربط الصرف بمؤشرات الجودة (KPIs): اقتطاع نسب مئوية من الفاتورة الشهرية للشركة تلقائياً إذا أظهرت تقارير المراقبة تدني مستوى النظافة في الأحياء، أو غياب الحكامة في معالجة شكايات المواطنين.
2. رقمنة المراقبة وفرض التكنولوجيا (الحكامة الرقمية)
و لم يعد مسموحاً ترك المراقبة للتقدير البشري أو تقارير الورق، حيث أصبحت دفاتر التحملات الجديدة تُلزم الشركات بـ:
* نظام التتبع الجغرافي (GPS): ربط جميع الشاحنات والآليات بنظام تتبع آني مرتبط بمنصة رقمية لدى الجماعة، للتأكد من احترام المسارات، التوقيت، وعدد مرات الكنس والجمع.
* رقمنة الحاويات والموازين: وضع شريحات إلكترونية (RFID) على الحاويات لمعرفة وتيرة إفراغها، وتجهيز موازين المطارح بأنظمة أوتوماتيكية لا تقبل التلاعب، تنقل البيانات مباشرة إلى الخزينة المصالح الجماعية.
3. إجبارية إحداث “مصلحة المراقبة الدائمة” وتأهيل أطرها
منعت الدوريات الوزارية الأخيرة تفويض المرفق دون وجود جهاز رقابي حقيقي:
* اشتراط وجود أطر تقنية ومهندسين متخصصين تابعين للجماعة يتفرغون حصرياً لمراقبة الشركة ميدانياً.
* تمكين هذه المصالح من استقلالية لوجستيكية (سيارات مخصصة، أجهزة تصوير رقمية) لتوثيق المخالفات بشكل قانوني يُلزم الشركة بأداء الذعائر دون مماطلة.
4. تحميل الشركات مسؤولية الاستثمار والتجديد المستمر
لإيقاف ظاهرة اشتغال الشركات بآليات مهترئة في أواخر العقد:
* إلزام الشركات بتقديم مخطط استثماري وتجديدي واضح لأسطول الشاحنات والحاويات طيلة مدة العقد، مع مصادرة “ضمانة حسن التنفيذ” البنكية (Cautionnement) في حال أخلت الشركة بوعود التحديث.
* تحديد سقف عمري محدد للشاحنات والآليات لا يمكن تجاوزه خلال فترة التدبير.
5. تشجيع بديل “شركات التنمية المحلية” (SDL)
كآلية دفاعية ضد تغول الشركات الخاصة (خاصة الأجنبية)، شجعت وزارة الداخلية المدن الكبرى والمتوسطة على تأسيس شركات تنمية محلية (رأسمالها عمومي تملكه الجماعة ومؤسسات الدولة):
* تتولى هذه الشركات إما التدبير المباشر لقطاع النظافة بروح المقاولة الخاصة ولكن دون السعي وراء الأرباح الفاحشة، أو تتولى دور “المراقب الصارم والوسيط اللوجستيكي” بين الجماعة والشركات الخاصة، مما يعيد سلطة القرار لمنتخبي المدينة.
> خلاصة: هذه الترسانة القانونية والتقنية الجديدة تهدف إلى جعل “دفتر التحملات” سلاحاً في يد الجماعة وليس صك استسلام مالي. العبرة اليوم تظل بمدى تفعيل وتطبيق هذه الشروط بصرامة من طرف المجالس الجماعية الناشئة، ومدى توفر الإرادة السياسية لمحاربة التهاون في هذا المرفق الحيوي.