متى نتصالح مع البحر… ونعيد حلم الأجداد؟ اسفي نموذجا
البحر قريب… لكنه بعيد
تأملوا هذه الصورة…
هكذا كانت آسفي. لا أسلاك شائكة، ولا حواجز إسمنتية، ولا جدران تعزل المدينة عن بحرها. كان الناس يقفون على حافة الساحل يتأملون الأفق، وكانت العلاقة بين المدينة والمحيط علاقة طبيعية وعفوية؛ البحر فضاء مفتوح، وجزءا من الحياة اليومية، لا مشهدا يُرى من بعيد.
أما اليوم، فقد تغير المشهد. فما زلنا نرى البحر ونسمع هدير أمواجه، لكنه أصبح في كثير من المواقع بعيد المنال. إنها مفارقة مؤلمة؛ فالبحر قريب من أعيننا… لكنه بعيد عن حياتنا.
يقال إن آسفي مدينة بحرية، لكن كثيرا
من أبنائها يرددون بأسى: “لا شاطئ في آسفي.” وليس لأن البحر غائب، بل لأن العلاقة بين المدينة وبحرها انقطعت.
فالجرف الصخري الذي يطوق أجزاء واسعة من الساحل، مع غياب منافذ ولوج مهيأة وآمنة، جعل العلاقة بين الساكنة والبحر علاقة مشاهدة أكثر منها معايشة. ثم جاءت بعض التهيئات غير الملائمة، من حواجز وأسلاك وكتل إسمنتية، لتعمق هذه القطيعة. نرى الموج… لكننا لا نلمسه، ونعيش بمحاذاة البحر… دون أن نعيش معه.
مدينة ساحلية تبحث عن شاطئ
تمتد آسفي على أكثر من 120 كيلومترا
من الساحل الأطلسي، ومع ذلك، ما إن يحل فصل الصيف حتى تغادر آلاف الأسر المدينة بحثا عن شاطئ في مدن أخرى.
إنها مفارقة يصعب فهمها؛ مدينة يحيط بها البحر، لكن أبناءها يضطرون إلى السفر للاستمتاع بما يفترض أن يكون جزءا من حياتهم اليومية. ولم يعد الأمر يتعلق بالسباحة فقط، بل بالحق في فضاء عمومي يلتقي فيه الناس، ويمارسون الرياضة، ويستمتعون بالمشي، ويجدون متنفسا
يخفف عنهم ضغط الحياة.
حين تعمق التهيئة القطيعة
كان من المفترض أن تقرب التهيئة الحضرية المدينة من بحرها، لكنها في كثير من المواقع عمقت القطيعة. فمن رأس اللفعة إلى اللافاطنة ، ومن البدوزة إلى المريسة وكورنيشها، تعترض الزائر حواجز وأسلاك وشبكات حديدية، بينما تحتل الكتل الإسمنتية والباركينات غير المنظمة جزءا من المشهد.
ولم تقتصر المشكلة على صعوبة الولوج، بل امتدت إلى تشويه الواجهة البحرية، حتى أصبح البحر، الذي يفترض أن يكون ملكا عموميا، يبدو وكأنه فضاء مغلق. ومن أكثر المشاهد إثارة للاستغراب تسييج أجزاء من الساحل، خاصة بالمدينة العتيقة، بشبك حديدي وأسلاك شائكة، في منظر لا يليق بمدينة بحرية عريقة، وكان بالإمكان اعتماد حلول أكثر حضارة، تحافظ على السلامة دون أن تفقد المكان جماله.
البحر… أكثر من شاطئ
البحر ليس مجرد مكان للسباحة، بل هو متنفس نفسي واجتماعي، وفضاء للرياضة والترفيه، ورافعة للتنمية السياحية والاقتصاد الأزرق، وعنصر أصيل في هوية آسفي التي ارتبط تاريخها بالملاحة والصيد والتجارة منذ قرون.
ورغم كل أشكال الحصار، يظل البحر المتنفس الوحيد لساكنة المدينة في ظل محدودية فضاءات الترفيه والحدائق العمومية، مما يجعل إعادة فتح الواجهة البحرية أمام المواطنين ضرورة تنموية وإنسانية.
مصالحة مع البحر… لا قطيعة معه
المشكل ليس في الجرف الصخري، فهو جزء من شخصية آسفي وجمالها الطبيعي، بل في غياب رؤية عمرانية تحول هذا الجرف إلى قيمة مضافة. ففي مدن كثيرة حول العالم، تحولت المنحدرات البحرية إلى فضاءات سياحية خلابة بفضل الممرات الآمنة، والسلالم، والشرفات البانورامية، والمصاعد التي تربط المدينة بالبحر.
إن مصالحة آسفي مع بحرها تبدأ بفتح منافذ ولوج آمنة، وإزالة الحواجز غير الضرورية، وتأهيل الكورنيش والواجهة البحرية، وتعويض الأسلاك والكتل الإسمنتية بتهيئات حضارية تجعل البحر فضاءً للحياة، لا حاجزاً يفصل المدينة عن هويتها.
لقد كان البحر هو الذي صنع تاريخ آسفي، ومنه انطلقت سفنها، وازدهرت تجارتها، وتشكلت شخصيتها عبر القرون. لذلك فإن إعادة وصل المدينة ببحرها ليست مشروعاً عمرانياً فحسب، بل هي استعادة لجزء من ذاكرتها وهويتها، واستثمار في مستقبلها.
إن المدن التي تحسن احتضان بحرها، تحسن صناعة مستقبلها. فمتى تملك آسفي الشجاعة لتعيد فتح ذراعيها للمحيط، وتعيد حلم الأجداد إلى الأجيال القادمة؟
الموذن نبيل