جريدة إلكترونية مغربية

الخميسات: دورة استثنائية تكشف ما لا تقوله البلاغات

هل يعقل أن يصل ملف إلى طاولة المجلس قبل أن يستكمل مساره الإداري؟ وهل يجوز أن تتحول جلسات المنتخبين إلى مناسبة لاكتشاف الاختلالات بدل الحسم في القرارات؟ ثم كيف يمكن الحديث عن تكافؤ الفرص إذا كانت معطيات أثيرت داخل المجلس تشير إلى استفادة شخص واحد من أكثر من سبعة دكاكين من الملك الجماعي؟ أسئلة فرضتها وقائع الدورة الاستثنائية للمجلس الجماعي للخميسات، قبل أن يفرضها أي تعليق أو تأويل.

ليست كل الدورات الاستثنائية تخلد بما تصادق عليه من مقررات، بل إن بعضها يكتسب استثنائيته لأنه يكشف، من حيث لا يراد، مكامن الخلل في تدبير الشأن المحلي. وهذا بالضبط ما حملته الدورة الاستثنائية للمجلس الجماعي للخميسات، المنعقدة يوم الخميس 16 يوليوز 2026، حيث بدا أن ما جرى داخل القاعة كان أبلغ من أي بلاغ قد يصدر بعدها.

انطلقت أشغال الدورة في سياق عادي، وصادق المجلس بالإجماع على تعديل اتفاقية دعم قطاع الصحة، واتفاقية التدبير المفوض لقطاع النظافة، إلى جانب تعديل اتفاقية كهربة حي مولود عقة. غير أن النقطة المتعلقة بتولية بعض دكاكين الملك الخاص الجماعي سرعان ما قلبت مجرى النقاش، وانتهت بالتأجيل بعدما اتضح أن دفتر التحملات الجديد، الذي يشكل الوثيقة الأساسية المؤطرة للعملية، لم يستكمل مساره الإداري ولم يحصل بعد على التأشير اللازم.

المثير في الأمر أن هذا المعطى لم يظهر إلا أثناء المناقشة، بعدما أثاره أحد نواب الرئيس، ليتبين أن ملفا بهذه الأهمية أُدرج في جدول الأعمال قبل استكمال إحدى أهم وثائقه. وهنا لا يتعلق الأمر بخطأ تقني بسيط، بل بسؤال يلامس جوهر الحكامة: كيف يصل ملف غير مكتمل إلى طاولة المجلس؟ ومن كان يتابع مآل دفتر التحملات طوال هذه المدة؟ وهل أصبحت الجلسات مناسبة لاكتشاف الاختلالات بدل أن تكون فضاء لاتخاذ القرار؟

ولعل أكثر اللحظات إثارة للنقاش كانت مداخلة المستشارة ربيعة بوجة، التي فتحت ملف تدبير دكاكين الملك الجماعي من زاوية تكافؤ الفرص. فقد استغربت وجود حالات يستفيد فيها شخص واحد من أكثر من سبعة دكاكين، معتبرة أن مثل هذه الوضعية تستوجب التحقق من مدى احترام معايير الإنصاف والشفافية.

كما أثيرت، خلال النقاش، معطيات بشأن استفادة بعض الموظفين من هذه الدكاكين، رغم أن الطابع الاجتماعي لهذا النوع من الاستغلال يفترض أن يوجه أساسا للفئات المستحقة.

 

وقد تبقى هذه المعطيات في حاجة إلى التحقق والتدقيق، لكن مجرد طرحها داخل مؤسسة منتخبة يجعلها تستحق المتابعة والتوضيح. فالمؤسسات لا تقوى بالصمت، بل بقدرتها على الإجابة عن الأسئلة، وترسيخ الثقة عبر الوضوح والشفافية.

ومن تابع أطوار الدورة لاحظ أن النقاش الحقيقي قاده عدد محدود من الأعضاء. فقد برز من بين الأغلبية كل من زهير علوي وربيعة بوجة، ومن المعارضة طه بلكوح، من خلال مداخلات اتسمت بالإحاطة بالملفات والاستعداد المسبق، وكانت الأكثر حضورا وتأثيرا في مجريات النقاش. وفي المقابل، سجلت مداخلات لأعضاء آخرين، لكنها لم تكن بنفس الزخم أو العمق الذي ميز المتدخلين المذكورين، بينما اكتفى بعض الأعضاء بالحضور والتصويت دون مساهمة تذكر في مناقشة ملفات تمس تدبير المدينة بشكل مباشر، وهو ما يعيد طرح سؤال الدور الحقيقي الذي ينتظره المواطن من ممثليه داخل المجلس.

 

كما سجلت الدورة حضور البرلماني عبد السلام البويرماني بعد غياب طويل عن أشغال المجلس الجماعي. حضور يرحب به بطبيعة الحال، لكنه يفتح الباب أمام تساؤل مشروع: هل تكفي المشاركة في بعض المحطات، أم أن انتظارات الساكنة تقتضي مواكبة مستمرة لقضايا المدينة، داخل المجلس وخارجه؟

 

وفي المقابل، أثار الغياب المتكرر لأحد نواب الرئيس عن مجريات الدورة، بعد الاكتفاء بتسجيل الحضور في بدايتها، ملاحظات عدد من المتتبعين، خاصة وأن هذا السلوك، بحسب ما يتداول، تكرر في أكثر من مناسبة. وإذا صح ذلك، فإن المسؤولية الانتدابية لا تقاس بالتوقيع في سجل الحضور، بل بالحضور الفعلي في النقاش، والمساهمة في صناعة القرار، وتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية أمام المواطنين.

 

انتهت الدورة، لكن ما خلفته من أسئلة ما زال قائما. فالمواطن لا ينتظر دورات أكثر، بل ينتظر ملفات تحضر جيدا قبل عرضها، وملكا جماعيا يدبر وفق معايير واضحة وعادلة، ومجلسا يجعل من الشفافية ممارسة يومية لا شعارا موسميا.

 

لأن المدن لا تدار بكثرة الاجتماعات، وإنما بجودة القرارات. ولا تبنى بالارتجال، بل باليقظة والكفاءة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

 

ويبقى السؤال الذي سيظل معلقا إلى حين تقديم الأجوبة: هل كانت هذه الدورة مجرد تعثر إداري عابر، أم أنها كشفت عن اختلالات أعمق في طريقة إعداد الملفات وتدبيرها داخل المجلس الجماعي للخميسات؟ وهل ستظل هذه الأسئلة معلقة إلى الدورة المقبلة، أم أن المسؤولين سيبادرون إلى تقديم توضيحات وإجراءات تعيد الثقة في طريقة تدبير الشأن المحلي؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.