الهدهد جاءكم مرة أخرى بالنبأ اليقين:
الخطورة لم تكن في الصور البروتوكولية العابرة مع الجزائر بل في المناورات الخبيثة والتفاهمات المسمومة التي كُتبت في الهوامش.
وما لم يُحك في العلن، يكشفه الهدهد في كواليس الظل الاستخباراتي ولعله استرق السمع !! الأجهزة الأمنية المغربية كانت قد سبقت الجميع بخطوات، وأربكت اللعبة قبل حتى أن تبدأ رسميا؛ بعدما تلقفت أعينها وآذانها التي لا تنام تسريبات ثقيلة لمؤامرة جديدة طُبخت في الخفاء بين مبعوثي العسكر الجزائري ومسؤولين إسبان داخل أروقة أحد الفنادق الأندلسية الهادئة. هناك، في عتمة الجنوب الإسباني، تم رصد تفاصيل المقايضة الرخيصة والتفاهمات المسمومة للالتفاف على بعض مواقف مدريد السيادية مقابل الغاز والامتيازات الاقتصادية. ولم تكن تلك التفاصيل بحاجة لأي انتظار؛ إذ وُضعت خيوط الصفقة الأندلسية كاملة ومفصلة أمام أنظار جلالة الملك، ليعطي أمره السامي بتحريك قواعد الردع الصامت، زلزالٌ استباقي أعاد ترتيب الرقعة بالأسلوب المغربي الصارم، وجعل أوهام الغرف المغلقة تتهاوى على خطوط التماس قبل أن تجف أحبارها.
القصة تبدأ من عقدة الغاز والتجارة. الجزائر، التي أغلقت أنبوب الغاز المغاربي-الأوروبي في محاولة فاشلة لخنق المغرب طاقيا، واشترطت سابقا على مدريد عدم ضخ الغاز عكسيا نحو الرباط، تلقت حينها ضربة معلم عندما أصلح المغرب شريانه ببراغماتية عالية عبر الأنابيب الإسبانية.
واليوم، وبعد قطيعة طويلة جربت فيها الجزائر كل أساليب الابتزاز بقطع العلاقات الاقتصادية عقابا على الاعتراف الإسباني بمغربية الصحراء، تهرول فجأة لفتح أسواقها على مصراعيها أمام الشركات الإسبانية، وتُغري مدريد بزيادة ضخمة في تدفقات الغاز وبأسعار تفضيلية تفاوضية.. والسؤال الاستراتيجي الحاسم هنا: مقابل ماذا؟!
لا أحد يوزع ثروات شعبه بالمجان في عالم السياسة الواقعية؛ فالجزائر تسعى لشراء موقف إسباني متذبذب لتسويقه داخليا، وتستبيح مقدرات أجيالها وتضحي بأسواقها فقط في سبيل تغذية هوسها بتقسيم المغرب.
لكن في منطق الصراع، لا مكان للعواطف أو المبادئ العذراء؛ المعادلة تُحسم بالأوراق الضاغطة: “إذا كنتَ تستبيح ثروات بلدك لتقسيم جيرانك، فأنا أملك من الأوراق الميدانية ما يكفي لإفساد تلك الكعكة الملغومة بقلبها، وعقلها، وشرايينها.”
من هذه النقطة تحديدا، انطلقت الهندسة المغربية للصدمة. التحرّك لم يكن عشوائيا ولا وليد لحظة غضب، بل صيغ بنسق تدريجي تصاعدي بالغ الدقة؛ بدأت موجات العبور ببطء شديد جدا عقب الزيارة مباشرة كجرعة اختبارية لقياس مدى استيعاب مدريد للرسالة.
صمّ الإسبان آذانهم و لم يكفهم ذلك بل تظاهروا أيضا بالعمى، فزاد المغرب من إيقاع الضغط يوم أمس بنغمة أعلى!! استمرت حكومة سانشيز في نهج سياستها الصامتة والتجاهل المكشوف، فما كان من الرباط إلا أن فتحت البحر على مصراعيه اليوم.
هنا أحدثت الضربة زلزالها؛ إذ وقعت الصدمة الفورية داخل المجتمع الإسباني بجميع أطيافه، واستفاق قصر “المونكلوا” على كابوس ديمغرافي وسياسي كاسح لا يمكن احتواؤه ببيانات الإنكار.
بيدرو سانشيز يجد نفسه اليوم محشورا في زاوية حرجة؛ فهو بين مطرقة الضغط الميداني المغربي الصارم، وسندان المعارضة الشرسة. فاليمين الإسباني المتمثل في الحزب الشعبي (PP) برئاسة ألبرتو نونييز فيخو وهو بالمناسبة الذي يتصدر استطلاعات الرأي ويستعد للاستحواذ على السلطة يتربص به، ملوحا بمراجعة شاملة للعلاقات مع المغرب وتدفيع سانشيز ثمن هذا الارتباك.
المغرب يعرف أن اليمين يجيد احتراف السياسة يظهر العداء ويخطب الود لذلك لعبت الخارجية المغربية شطرنج المحترفين؛ حيث صنعت واقعا ميدانيا ينسف كل تفاهمات سانشيز الغازية في الجزائر العاصمة، تاركة الحكومة الإسبانية معزولة ومربكة أمام رأيها العام.
ألو ألو !! الصوت واصل للمونكلوا؟!
الرسالة وصلت كاملة مكملة، واللعبة من الآن فصاعدا تُدار حصريا بإيقاع وشروط الرباط.