لقبي سعيد: من شواطئ أسفي إلى البقاع المقدسة.. جغرافية الحج المغربي
لقبي سعيد
مقدمة: حين يرنو أقصى المغرب نحو مكة
لم يكن السفر إلى مكة المكرمة بالنسبة للمسلم في أقصى المغرب خلال العصر الوسيط مجرد انتقال في المكان، ولا مجرد تنفيذ لفريضة دينية؛ بل كان مغامرة جغرافية وإنسانية وروحية قد تستغرق شهوراً، وربما أعواماً، دون أن تكون عاقبتها مضمونة. فالحاج الذي يودّع أمواج المحيط الأطلسي في أسفي، لا يترك خلفه دياراً فحسب، بل يعبر بالتدريج من جغرافيا إلى أخرى: من المدينة والميناء إلى الطريق، ومن القافلة إلى القفر، ومن القفر إلى الحواضر ثم إلى الحرمين الشريفين، في جغرافيا مقدسة وإنسانية في آن واحد.
العتبة الأولى: النية والاستطاعة — حين تبدأ الرحلة قبل الطريق وفتوى إسقاط الحج
لم يكن الحج يبدأ في الوعي الديني عند مغادرة البيت، بل كان ينبعث أولاً من النية الصادقة. غير أن النية وحدها لا تكفي؛ فالاستطاعة شرط شرعي مقتضاه ألا يغلب على الظن الهلاك. وفي الثقافة المغربية، اختُصر هذا التداخل بين العقيدة والفقه والتصوف في الثريّة الشهيرة:
عقيدة الأشعري، وفقه مالك، وطريقة الجنيد السالك
ولم تكن الاستطاعة شأناً مالياً فحسب، بل كانت أمناً وسلامة؛ إذ بلغت المخاطر في بعض العصور شحاً في المياه وقرصنة في البحر واعتداءات في القفار، مما دفع كبار فقهاء المالكية — وعلى رأسهم ابن رشد الجد — إلى إصدار فتواهم الشهيرة بـ «إسقاط وجوب الحج عن أهل المغرب والأندلس» لعدم أمن الطريق وغلبة الظن بالهلاك. غير أن شوق الحجاج لم تطفئه الفتاوى، بل ظل ينقب عن منافذ وآليات تضمن السفر الآمن.
العتبة الثانية: سيدي شاشكال — حين تصنع الذاكرة الشعبية «حج القرب»
شمال أسفي، بالقرب من المجال الساحلي للبدوزة، يحتفظ الوجدان المحلي بذاكرة ضريح «سيدي شاشكال» الملقب حج المسكين» أو «حج الفقراء«.
تروي المأثورات أن هذا الطقس نشأ عندما تعذر على المعدمين قطع الفيافي، فاحتفظ ببعض مظاهر المحاكاة الرمزية لمناسك البيت العتيق.
وليس هذا الطقس الشعبِي بديلاً شرعياً عن الفريضة، بل هو من منظور الأنثروبولوجيا الدينية تعبير عن كيفية تعامل الذاكرة الشعبية مع فكرة الحج عندما تكون المسافة أو الفقر أو الخوف حائلاً دون الرحيل؛ حيث يصنع الإنسان لنفسه عتبة قريبة تطفئ لوعة الحرمان.
العتبة الثالثة: اجتماعية السفر — محطات الركب الصالحي
إذا كانت النية هي البداية الروحية، فإن “الركب” هو البداية الاجتماعية؛ إذ كان السفر الفردي انتحاراً مؤكداً وسط القفار. وأمام تحذيرات الفقهاء، انطلق التنظيم اللوجستي للركب الصالحي من أسفي متخذاً خط سير محكماً عبر محطات ومراحل محددة: ينطلق من أسفي نحو رباط بني دغوغ (بمجال دكالة)ثم اتجاه الشرق .
لم يكن الركب مجرد قافلة، بل كان مدينة متحركة تنظم أوقات الحراسة وتوزيع المياه والمؤن، وتتكفل بالمرضى والعاجزين، محولةً السفر الفردي الخائف إلى مشروع جماعي آمن يعبر الفيافي بثبات.
العتبة الرابعة: الطريق المغربي — شبكة التواصل الثقافي واللغوي
لم تكن الرحلة خطاً مستقيماً، بل مسالك برية وبحرية تتغير بحسب الأوضاع السياسية؛ تعبر تلمسان وبجاية وتونس في فضاء ثقافي متصل تتجاور فيه اللغة العربية بالفقه وتقاليد الزوايا.
وكان الحاج يحمل معه لغته وعاداته، فتسافر الكلمات كما يسافر أصحابها؛ تلين مخارج الحروف وتتغير أصواتها عبر التداول الشعبي. فنرى اسم «الجيلاني» يتحول في ألسنة المغاربة إلى «الجيلالي»، وكلمة «السردين» تتحول في لسان أهل أسفي إلى «السرديل». وهكذا لم يكن الحاج يعود بالمتاع والبركات فحسب، بل يعود أيضاً بحصيلة لغوية وثقافية متجددة.
العتبة الخامسة: جحيم صحراء برقة والاستراحة في مصر
بعد بلاد المغرب الأدنى، تلتقي القوافل بأحد أعتى اختبارات الطبيعة: صحراء برقة في شرق ليبيا. هناك تصبح الفيافي مقبرة للمتهورين؛ شمس حارقة، ومنابع مياه شحيحة ومسمومة أحياناً، وغارات لقطاع الطرق. في برقة، يعيش الحاج تجربة الصبر الحقيقي: تقاسم أواخر قطرات الماء في الأوطاب، ودفن الرفاق الذين قضوا في الطريق، والسير ليلاً للاستدلال بالنجوم.
فإذا نجت القافلة ودخلت ديار مصر، تنفّس الحجاج الصُّعَداء. وفي الإسكندرية والقاهرة وطنطا، كان يرتكز أقطاب التصوف وأولياء المشرق الذين شكلوا محطات إيواء ورعاية للمغاربة؛ حيث كان يستقبلهم المريدون والمرابطون بظلال أبي العباس المرسي في الإسكندرية (الأندلسي الأصل)، قبل أن تتجه القافلة إلى طنطا ليحلّوا في جوار سيدي أحمد البدوي (الفاسي الأصل)، فيستعيد المسافرون عافيتهم الروحية والبدنية ويستعدون لوجستياً لقطع السويس والبحر الأحمر نحو الحجاز..
العتبة السادسة: مكة والمدينة — بلوغ المقصد وتحول المعنى
بعد مشقة المسالك والجحيم الترابي، يلوح الحجاز وتبلغ الرحلة تمامها الشعائري مصداقاً لقوله تعالى:
﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [سورة البقرة: 196]
هنا يتغير معنى المكان؛ فمكة لم تعد نقطة على الخريطة بل أصبحت حضوراً. وفي تقاليد الرحلة المغربية، لم يكن الحج منفصلاً عن زيارة المدينة المنورة ومعايشة مشاهد الذاكرة الإسلامية. ينتهي حساب المسافة بالمراحل ويبدأ حسابها بالمعاني: كم ابتعد الإنسان عن بلاده؟ وكم اقترب من نفسه.
العتبة السابعة: القدس، مسكونية المكان ورسالة التسامح المغربية
امتدت رحلات المغاربة لتشمل بيت المقدس، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، حيث تجلت الأهمية الروحية لقوله تعالى:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [سورة الإسراء: 1]
وفي القدس تقاطعت الذاكرات الدينية؛ وفي المخيال الإسلامي يرتبط المكان بالبُراق: ذلك المخلوق العجائبي الذي وصفه الحديث الشريف بأنه “دابة بيضاء فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه”. وهو ما يختلف عن «بيغاسوس» اليوناني، لكن الشعر يستحضر الصورتين للتعبير عن تطلع الإنسان من الأرض نحو السماء.
ولم يقتصر الحضور المغربي في القدس على الزيارة، بل تجسد في الرباط والجهاد. وتذكر المصادر التاريخية أن السلطان صلاح الدين الأيوبي، إبان تحرير القدس، جاد للمغاربة بأفضل حارة بجوار المسجد الأقصى، ولما سُئل عن ذلك قال كلمته الخالدة:
“أسكنتُ هناك من يثبتون في البر، ويشتدون في البحر، وأمنهم على هذا المسجد الأقصى وهذه المدينة”.
فتأسس بذلك “حارة المغاربة” و”باب المغاربة”. غير أن خصوصية القدس تتجاوز البعد العسكري إلى البعد المسكوني (الإنساني الشامل)؛ فهنا تتجاور ذاكرة الهيكل اليهودية، وذاكرة الجلجثة وكنيسة القيامة المسيحية، وذاكرة الأقصى والصخرة المشرفة الإسلامية.
وهذه المسكونية تجد صداها العميق في ثقافة التسامح المغربية؛ فالمغرب، الذي استوعب عبر تاريخه التعايش الخلاق بين المسلمين روح الاعتراف بالآخر فالمغربي لم يتجه نحو القدس لإلغاء المكونات الأُخرى بل دخلها بوعي حضاري يدرك أن المقدس يمكن أن يكون مشاعاً إنسانياً، وأن الاختلاف لا يعني المحو، بل يحتاج إلى مساحة مشتركة للعيش والتحاور، وهو ما أكدته رسالة نداء القدس التاريخية الصادرة بالمغرب عام 2019 للتأكيد على الشراكة الإنسانية في حماية رمزيّتها للتسامح والسلام.
خاتمة: من الطريق إلى الذاكرة — حين تصبح العتبة طريقاً
ما الذي يبقى بعد كل هذه المسافات من رحلة بدأت عند المحيط الأطلسي وانتهت في الحجاز والقدس؟
يبقى أن الحج كان شكلاً مبكراً من التنظيم اللوجستي والاجتماعي، وأن الطريق كانت تنتج المعرفة وتصيغ الإنسان: تعلمه الصبر، والتضامن، وأن المقدس قد تتعدد ذاكرته.
فأسفي لم تكن مكة أخرى، بل كانت عتبة أطلسية في شبكة واسعة وصلت المغرب بالمشرق. وسيدي شاشكال يظل شاهد الذاكرة الشعبية حين تعجز الجغرافيا فتصنع رمزاً قريباً. أما القدس، فتمنح الرحلة أفقها الأوسع كمدينة تتجاور فيها الذاكرات وترسخ تجربة التعايش والمسكونية الإنسانية.
وفي النهاية، ليس السؤال الأهم: كم كانت المسافة بين أسفي ومكة؟ بل: ماذا فعلت تلك المسافة بالإنسان؟
فإذا كان الحج يقيم الشعيرة، فإن الطريق تقيم الإنسان. وخلف الخرائط والقوافل، تبقى الحقيقة البسيطة: أن من يمّم وجهه شطر مكة، فإن
.
خاتمة: من الطريق إلى الذاكرة — حين تصبح العتبة طريقاً
ما الذي يبقى بعد كل هذه المسافات من رحلة بدأت عند المحيط الأطلسي وانتهت في الحجاز والقدس؟
يبقى أن الحج كان شكلاً مبكراً من التنظيم اللوجستي والاجتماعي، وأن الطريق كانت تنتج المعرفة وتصيغ الإنسان: تعلمه الصبر، والتضامن، وأن المقدس قد تتعدد ذاكرته.
فأسفي لم تكن مكة أخرى، بل كانت عتبة أطلسية في شبكة واسعة وصلت المغرب بالمشرق. وسيدي شاشكال يظل شاهد الذاكرة الشعبية حين تعجز الجغرافيا فتصنع رمزاً قريباً. أما القدس، فتمنح الرحلة أفقها الأوسع كمدينة تتجاور فيها الذاكرات وترسخ تجربة التعايش.
وفي النهاية، ليس السؤال الأهم: كم كانت المسافة بين أسفي ومكة؟ بل: ماذا فعلت تلك المسافة بالإنسان؟
فإذا كان الحج يقيم الشعيرة، فإن الطريق تقيم الإنسان. وخلف الخرائط والقوافل، تبقى الحقيقة البسيطة: أن من يمّم وجهه شطر مكة، فإن رحلته تبدأ منذ اللحظة التي يقرر فيها، وهو يرقب المحيط الأطلسي، أن يطأ أول عتبة في الطريق.
الدكتور لقبي سعيد
جامعة قاضي عياض- أسفي