جريدة إلكترونية مغربية

مِعمار الوحدة… حين تصير مسيرةٌ جزءاً من وطنٍ

بقلم: عبد المجيد هضمي (المحجوب)

 

بين عيد الوحدة وذكرى المسيرة الخضراء وعيد الاستقلال، تتقارب التواريخ حتى يبدو الخريف المغربي موسماً لإعادة الإصغاء إلى معنى الوطن. لكلّ مناسبة زمنها ومسارها، وفي اجتماعها أمامنا سؤال يتجدّد: ماذا نصنع اليوم بما ورثناه من تضحيات الأمس؟ وكيف نمنح الانتماء صورةً يراها الناس، وكرامةً يعيشونها، وذاكرةً يستطيع أبناؤهم أن يسكنوها؟

 

في الذكرى الحادية والخمسين للمسيرة الخضراء، أعود، بصفتي مهندساً معمارياً، إلى صورة الخطوة. إلى ذلك الجسد الذي يغادر عتبة بيته حاملاً علماً ومصحفاً ورجاءً، ثم يلتقي بأجساد أخرى على طريق واحدة. في تلك الصورة، التي ارتبطت بمبادرة الملك الحسن الثاني، رحمه الله، تجسّدت قدرة الإرادة الوطنية على جمع الناس حول أفق مشترك. وصارت الأرض، في وجدان المشاركين، عهداً يسيرون إليه بأقدامهم ويحملونه في صدورهم.

 

وللخطوة في فهم المعماري معنى عميق؛ بها تُختبر المسافة، ويُكتشف الطريق، ويبدأ تعارف الإنسان والمكان. قبل أن تصير المدينة مخطّطاً، تكون مساراتٍ يسلكها الناس، ومواضع يقفون عندها، وأبواباً يرجون أن تُفتح لهم. لذلك أقرأ في ذكرى المسيرة سؤالاً موجّهاً إلى مهنتنا أيضاً: كيف نواصل، بأدوات عصرنا، بناء هذا اللقاء بين الإنسان وأرضه؟

 

لقد قلناها ونردّدها: كلّ ترابٍ ذاكرة، ولكلّ مكانٍ ذاكرة. في الجدار أثر اليد التي رفعته، وفي العتبة صبر الذين عبروا، وفي الساحة أصوات تتناقلها الأجيال. وحين نهدم دون فهم، أو نعمّر دون إصغاء، قد نمحو من حياة الناس ما تعجز الأبنية الجديدة عن تعويضه. ومن هنا تبدأ مسؤولية المعماري: أن يقرأ قبل أن يرسم، وأن يصغي قبل أن يقرّر، وأن يجعل التحوّل امتداداً للحياة.

 

إنّ وحدة الوطن تتّسع لتنوّع أمكنته. في القصور والقصبات معرفةٌ بالطين والماء والظلّ، وفي المدن العتيقة خبرةٌ بالقرب والجوار، وفي الثقافة الحسانية آدابٌ للضيافة وذاكرةٌ للمسالك والرحيل، وفي الروافد الأمازيغية والعربية والأندلسية واليهودية المغربية طرائق متعدّدة لصوغ الألفة وصون العيش المشترك. وحين نصون هذا التنوّع، نمنح الوحدة عمقها؛ يصبح لكلّ مكان أن يتعرّف إلى نفسه داخل الوطن، وأن يضيف إلى صورته شيئاً لا يعوّضه سواه.

 

وفي الصحراء المغربية، تتّخذ هذه المسؤولية طابعاً ملموساً: أن تتعلّم العمارة من المناخ، وأن تحترم ندرة الماء، وأن تمنح المشاة ظلّاً، وأن تفسح للثقافة المحلية مكانها في الفضاء العام.

 

فالمشروع الناجح يُقاس أيضاً بقدرة طفل على بلوغ مدرسته بأمان، وبراحة مسنّ في ساحة، وبفرصة شاب في العمل، وبإحساس أسرة بأن الحيّ الذي تسكنه يعترف بها ويستحقّ عنايتها.

 

وبهذا المعنى، فإنّ الأوراش الكبرى التي يقودها المغرب في عهد

جلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، تضعنا أمام واجب وصل طموح الدولة بتفاصيل الحياة اليومية. بين الطريق الكبرى وعتبة البيت مسافةٌ يجب أن يبلغها أثر التنمية؛ وبين تجهيز المجال وشعور الإنسان بالإنصاف عملٌ متواصل في التخطيط والإنجاز والإنصات. هنا يتجلّى نصيبنا من المسؤولية، نحن المعماريين والعمرانيين وسائر الفاعلين في صناعة المكان.

 

وأستحضر في هذه المناسبة ما أعنيه بـ«السكن شاعراً»: أن نقيم في العالم بانتباه، وأن ندرك ما تفعله نافذةٌ في صباح إنسان، وشجرةٌ في ذاكرة طفل، وساحةٌ في علاقة الجيران. من هذه التفاصيل ينمو الانتماء، ويجد حبّ الوطن طريقه إلى العادة والفعل. وحين يشعر المواطن أنّ المكان يصون كرامته، يصبح الحفاظ عليه وفاءً لجزء من ذاته.

 

ومن آسفي، حيث يلتقي الحجر بالمحيط وتستقرّ طبقات الزمن في الأزقّة والوجوه، أفهم هذا الواجب بوصفه عملاً يومياً. أن ننقذ بيتاً من التهاوي، وأن نعيد إلى فضاء عمومي ألفته، وأن نمنح تراثاً منسيّاً فرصةً للظهور والحياة؛ تلك أفعال تحمل من معنى الوحدة ما تحمله الكلمات، وتمنح الكلمات صدقها.

 

ويمتدّ هذا البيت المغربي إلى أبنائه في العالم. يحملونه في اللغة والوصفة والاسم وذاكرة العائلة، ويضيفون إليه خبراتهم وآفاقهم. ولهم في بنائه صوت ومساهمة؛ فالانتماء يزداد حياةً حين يجد سبيلاً إلى المشاركة.

 

في هذه الذكرى، نستحضر بتقدير تضحيات من خدموا الوطن وصانوا أمنه ووحدته، ونجدد العهد على أداء نصيبنا من المسؤولية. لكلّ جيلٍ مسافته التي يقطعها: وقد تكون مسافتنا اليوم بين حيّ مهمّش ومدينة منصفة، وبين تراث مهدّد وذاكرة حيّة، وبين مشروع مرسوم وحياة تستحقّ أن تُعاش.

 

لقد ورثنا وطناً يحمل آثار الذين سبقونا، وسيحمل غداً آثار ما نصنعه نحن. فلنترك فيه ما يستحقّ المحبّة: بيتاً آمناً، وماءً مصوناً، وشجرةً نامية، ومكاناً يتّسع للآخر.

 

وأقترح على نفسي، وعلى زملائي، معياراً بسيطاً نحاسب به كل مشروع: هل يستطيع طفلٌ بلوغ مدرسته بأمان، ومسنٌّ الجلوس في ظلّ ساحته؟

 

تلك، في نظري كمعماري، أمانة المسيرة المتجدّدة: أن يصبح حبّ الوطن قابلاً للسكن.

 

عاش المغرب موحّداً، غنيّاً بتنوّعه، عزيزاً بكرامة أبنائه. وعاش الملك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.