جريدة إلكترونية مغربية

السياقة في المغرب واحترام الفضاء العام

سعيد لقبي

خلال إقامة لي في الولايات المتحدة قبل بضع سنوات، وتحديداً في مدينة هارتفورد بمنطقة نيو إنغلاند، وقع بين يديّ مقال في الصحافة المحلية عن أسرة أمريكية عادت من رحلة إلى المغرب.

كان المغرب، في مخيّلتها، بلد فيلم «كازابلانكا» وهمفري بوغارت؛ مزيجاً من الغموض والرومانسية، ووجوهاً تخفي حكايات طويلة.

لكنّ أكثر ما استوقفني في المقال لم يكن وصف المدن العتيقة، ولا جمال المناظر، ولا لذّة الطعام، بل كان الخوف من السياقة على طرقنا: التجاوزات، والمفاجآت، والإحساس بأنّ كلّ تقاطع يحتفظ للزائر بمغامرة لم تذكرها وكالة الأسفار.

لا أستعيد ألفاظ المقال حرفيّاً، لكنّ انطباعه بقي في ذاكرتي: السياقة في المغرب تخيف.

قلت في نفسي يومها، بشيء من الدعابة الدفاعية التي نستدعيها حين ينتقدنا الأجانب: “جاء هؤلاء يبحثون عن همفري بوغارت، فإذا بهم يدخلون فيلم مطاردات!” ولعلّنا بالغنا في كرم الضيافة، فأضفنا إلى برنامجهم السياحي جرعة من الأدرينالين، مجّاناً، وعلى حساب أعصابهم.

ابتسمت آنذاك، أمّا اليوم، فأجد في تلك الذكرى ما يدعو إلى التفكير أكثر ممّا يدعو إلى الابتسام. بعض الانطباعات السياحية يشيخ سريعاً؛ وهذا الانطباع، للأسف، ما زال يجد ما يجدّد شبابه.

بلد يسرع نحو المستقبل

يبني المغرب بسرعة تثير إعجاب المغاربة أنفسهم. موانئ تغيّر ملامح الساحل، وطرق سيّارة تصل ما باعدت بينه الجغرافيا، وقطارات تختصر المسافات، وأوراش تتسابق نحو سنة 2030، حتى ليخيّل إلى المرء أنّ المستقبل حجز تذكرته، وأنّه سيصل قبل أن ننتهي من ترتيب البيت، وترتفع الرافعات فوق المدن كمآذن من حديد تعلن دخول زمن جديد.

غير أنّ سؤالاً صغيراً يقف وسط هذا المشهد الكبير، كراجل يحاول عبور شارع:

هل نستطيع أن نبني وطناً من دون أن نبني الإنسان الذي يسكنه؟

فالإقلاع لا يُقاس بالإسمنت وحده، ولا بكيلومترات الطرق، ولا بعدد الأصفار في ميزانيات الاستثمار. ثمّة مقياس أقلّ كلفة في الحساب، وأشدّ كلفة في الواقع: كيف نتصرّف حين نتقاسم المكان مع الآخرين؟

ولمن أراد اختباراً سريعاً، لا حاجة إلى تقرير دولي؛ يكفي أن يقف أمام ممرّ للراجلين. هناك، سيكتشف أنّ بلوغ الرصيف المقابل قد يحتاج إلى ما هو أكثر من حسن النيّة.

إقلاع يحتاج إلى إشارات مرور

نقول إنّ المغرب بلد صاعد، ونستحضر المصانع والاستثمارات والمشروعات الكبرى والمبادرة الملكية الأطلسية وكأس العالم. لكنّ ثمّة صعوداً آخر لا تظهر صوره في نشرات الأخبار: ارتقاء السلوك.

أن تصبح القاعدة عادة، لا مفاجأة.

أن تعرف ما سيفعله السائق أمامك، من دون الاستعانة بعالم نفس أو قارئة فنجان.

أن تعبر الطريق من دون أن تجري، في ذهنك، حسابات السرعة والمسافة واحتمالات النجاة.

وأن تتوقّف عند الضوء الأحمر، حتى عندما يكون الشرطي غائباً، والكاميرا معطّلة، والطريق خالية من الشهود.

يمكن بناء طريق سيّار في بضع سنوات، أمّا ترسيخ المواطنة فقد يحتاج إلى جيل كامل؛ خصوصاً إذا كان بعضنا لا يزال يعتبر احترام القانون تصرّفاً محموداً… عند الآخرين. فهل نحن أمام مغرب يسير بسرعتين؟ مغرب يسرع نحو المستقبل، وآخر يتجاوزه من اليمين، بلا خوذة؟

حين كانت «الوصلة» تحظى بالاحترام

ومع ذلك، لم يكن احترام الآخرين غريباً عن هذا البلد، ولا بضاعة تنتظر الاستيراد. أستعيد مشهداً من أحيائنا القديمة: ألواح الخشب التي نسمّيها «الوصلة»، وقد رُتّبت عليها قطع العجين المستديرة، في انتظار حملها إلى الفرن العمومي.

كانت توضع أحياناً أمام البيوت، فينتبه إليها المارّة، ويتفادونها، ويحفظون لأهلها حقّهم فيها. لم تكن تحتاج إلى سياج، ولا إلى كاميرا، ولا إلى لافتة تقول: “المرجو عدم الدوس على عشاء المواطنين”. كان يكفي حكم اجتماعي موجز، شديد النفاذ، اسمه: قلّة التربية.

ومن يعبث بخبز الناس لا يرتكب مجرّد حركة طائشة؛ إنّه يعرّض تربيته كلّها للمساءلة، وقد يصل ملفّه إلى أمّه قبل أن يصل هو إلى آخر الزقاق.

وكان ثمّة فعل صغير نتعلّمه من غير درس: إذا رأينا قطعة خبز ملقاة على الأرض، رفعناها ووضعناها في موضع نظيف، على حافة جدار أو في مكان لا تطؤه الأقدام؛ احتراماً للنعمة، ولمن زرع وحصد وطحن وعجن، وللبركة التي ارتبطت في وجدان الناس بالخبز اليومي.

لم نكن نسمّيه «سلوكاً مدنياً»، كنّا نفعله فحسب. كنّا نبطئ الخطى لنرفع كسرة خبز، واليوم يسرع بعضنا فلا يرى إنساناً يعبر الطريق! يا للمفارقة! كانت قطعة الخبز تجد من يحميها من الأقدام، وأصبح الراجل يبحث عمّن يحميه من العجلات.

لا يعني ذلك أنّ الماضي كان فردوساً، ولكنّه احتفظ بأشكال من الاحترام تستحقّ أن ترافقنا إلى المستقبل.

العجلتان وقانون المزاج

للدراجة النارية مكانتها المشروعة في حياتنا؛ إنّها وسيلة اقتصادية، وأداة عمل، ومصدر رزق. وبفضلها يصل عامل إلى ورشته، وطلب إلى صاحبه، ودواء إلى محتاجه. وكثير من سائقيها يحترمون الطريق، ويدفعون، مثل غيرهم، ثمن تهوّر الآخرين.

لكنّ بعضهم يتصرّف كما لو أنّ شراء دراجة يمنحه حقّ وضع قانون خاصّ للسير، يدخل حيز التنفيذ بمجرّد تشغيل المحرّك:

ثلاثة شبّان على دراجة واحدة؟ ترشيد للنقل.

من دون خوذات؟ ثقة في صلابة الرأس.

الضوء الأحمر؟ وجهة نظر.

علامة «قف»؟ دعوة إلى التأمّل، لا ضرورة للاستجابة لها.

وممرّ الراجلين؟ زخرفة بلدية لطيفة، يُستحسن ألّا نفسدها بكثرة الوقوف.

تخرج الدراجة من زاوية لا تتوقّعها، وتتسلّل بين سيّارتين، ثم تظهر أمامك من جهة كنت تظنّ أنّ قوانين الفيزياء تمنع الوصول منها. يشير سائقها إلى اليمين، ثم ينعطف يساراً، ويترك لك شرف التفكير في الدلالات! أحياناً يبدو المشهد كفيلم من أفلام الغرب الأمريكي، استُبدلت فيه الخيول بدرّاجات، وبقيت فكرة واحدة على حالها: من يمرّ أوّلاً يفرض القانون.

وللإنصاف، ليست السيّارات بريئة حتى نمنح سائقوها شهادات حسن السلوك؛ فمنهم من يحتلّ الرصيف، ومنهم من يستعمل المنبّه كأنّه حجّة قانونية، ومنهم من يعتقد أنّ حجم سيّارته يمنحه أقدميّة أخلاقية على سائر البشر.

كما أنّ عامل التوصيل الذي يطارده عدّاد الوقت وضغط الطلبات يحتاج إلى شروط عمل تحميه، لا إلى مواعظ وحدها، والشارع يحتاج إلى تنظيم واضح، وممرّات آمنة، وقانون يُطبّق بثبات. فالطريق مسؤولية مشتركة، والمشكلة تبدأ حين يريد كلّ واحد أن يتقاسمها مع الآخرين، بشرط أن يتركها الآخرون له.

الفضاء العام ليس ملكاً بلا صاحب

وما يحدث في الطريق يمتدّ إلى علاقتنا بالفضاء العام: الرصيف يتحوّل إلى موقف خاصّ، والشارع إلى امتداد للمحلّ التجاري، والحديقة إلى مكان نترك فيه بقايا نزهتنا، كأنّ النظافة تنتهي عند عتبة البيت.

بعضنا يكنس أمام بابه بعناية، ثم يدفع الغبار إلى نصيب الجار. هكذا تصبح النظافة عمليّة نقل، لا عمليّة إزالة. ونحافظ على صالون البيت كأنّه متحف، ثم نعامل المقعد العمومي كأنّه لا ينتسب إلى أحد، مع أنّ ما يخصّ الجميع ليس ملكاً مباحاً للإهمال؛ إنّه نصيب كلّ واحد منّا في مدينة تصلح للعيش.

واحترامه يبدأ بفكرة بسيطة: لست وحدك هنا.

ثمّة طفل يحتاج إلى رصيف،

ومسنّ يحتاج إلى مقعد،

وشخص يستعمل كرسياً متحرّكاً يحتاج إلى ممرّ،

وجار يحتاج إلى نوم لا تقطعه دراجة قرّر صاحبها أن يختبر محرّكها تحت النوافذ بعد منتصف الليل.

فالآخرون ليسوا كومبارس في فيلم حياتنا.

من الإسمنت إلى الضمير

السؤال، إذن، أكبر من دراجة وأعمق من مخالفة: كيف نجعل سلوكنا يرتقي إلى مستوى ما نبنيه؟

نستطيع توسيع الطرق، لكنّ توسيع هامش التهوّر لن يحلّ مشكلة الازدحام. ونستطيع بناء محوّلات الطرق، لكنّنا لا نستطيع تحويل الفاجعة إلى خبر عابر عند أهل الضحيّة. ونستطيع نصب الرادارات، لكنّ الرادار لا يرافق السائق إلى ضميره. وبعضنا، للأسف، يحترم السرعة المحدّدة في حضرته احتراماً شخصيّاً بالغاً، ثم يعود إلى عاداته فور انتهاء الزيارة.

القاعدة تحمي قبل أن تعاقب. والخوذة ليست زينة للرأس، ولا عبئاً على تسريحة الشعر؛ وما تحميه يستحقّ، على الأرجح، بعض العناية. أمّا ممرّ الراجلين، فليس فضلاً يتكرّم به السائق على من يعبر، بل هو حقّ، والحقوق لا ينبغي أن تنتظر أن يكون مزاجنا جيّداً.

حرب العجلتين أم مصالحة مع الطريق؟

فهل تقع حرب العجلتين؟ نرجو ألّا تقع.

فالحرب تفترض معسكرين، والطريق لا يحتمل هذا التقسيم؛ الذي يسوق الآن سيترجّل بعد قليل، والذي يضغط على المنبّه قد تكون أمّه تحاول عبور الشارع في حيّ آخر. ليس المطلوب إعلان الحرب على الدرّاجات، بل إنهاء الخصومة مع القاعدة، ومع حقّ الآخر في أن يصل سالماً.

وإذا أردنا النجاح في موعد 2030، فعلينا أن ننجح أيضاً في المواعيد الصغيرة التي تتكرّر كلّ يوم: موعدنا مع الضوء الأحمر، ومع الرصيف، ومع الطفل الخارج من المدرسة، ومع المسنّ الذي لا يستطيع مجاراة استعجالنا.

فالزائر قد يُعجب بملعب رائع، لكنّه لن ينسى سائقاً توقّف ليتركه يعبر. وقد ينبهر بسرعة القطار، ثم يحتار في أمر الدقائق التي يقضيها عاجزاً عن اجتياز شارع أمام محطّته.

يرتفع البلد بمنشآته، ويرتقي بالطريقة التي يعامل بها أهله بعضهم بعضاً. ولعلّ بعض ما نبحث عنه كان موجوداً في تلك الحركة البسيطة: أن نحيد قليلاً كي لا نؤذي «وصلة» خبز تنتظر أمام بيت، أن نرفع كسرة من الأرض، وأن نخفّف السرعة لأنّ إنساناً أمامنا يريد العبور.

فالحضارة تبدأ أيضاً حين لا يرانا أحد، ومع ذلك نفعل ما ينبغي. أمّا سنة 2030، فستصل في موعدها، فلنحاول نحن أيضاً أن نصل… وقد احترمنا الضوء.

الدكتور سعيد لقبي/جامعة القاضي عياض

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.