أنقذوا التعليم العمومي والجيل الناشئ قبل فوات الأوان!
إن ما يشهده التعليم العمومي اليوم لم يعد مجرد اختلالات عابرة أو صعوبات ظرفية، بل أصبح أزمة عميقة تمس جوهر المدرسة ووظيفتها التربوية والتعليمية. فقد انحرف هدف الدراسة تدريجياً من بناء المعرفة، وترسيخ القيم، وتنمية المهارات، وتكوين شخصية المتعلم، إلى مجرد ضمان بقائه داخل الحجرات الدراسية، وإرضاء بعض المؤسسات الدولية عبر تحقيق مؤشرات وأرقام إحصائية لا تعكس بالضرورة حقيقة الواقع التعليمي المغربي، ولا تقيس المستوى الفعلي للتعلمات والكفايات المكتسبة.
لقد أصبحنا، في ظل هذه المقاربة، نهتم بعدد المتمدرسين ونسب الاحتفاظ بهم أكثر مما نهتم بما يتعلمونه فعلياً، وكأن النجاح في المدرسة يقاس بمجرد الحضور والانتقال من مستوى دراسي إلى آخر، وليس بما يكتسبه المتعلم من معارف ومهارات وقيم تؤهله لمواجهة تحديات الحياة.
إن استمرار هذا الوضع ينذر بإنتاج أجيال تائهة، ضعيفة التكوين، مهزوزة الهوية، فاقدة للشغف بالمعرفة وروح المبادرة، لا تمتلك تصوراً واضحاً لمستقبلها، ولا تطمح في كثير من الأحيان إلى أبعد من الحصول على عمل بسيط يضمن الحد الأدنى من متطلبات العيش، بأقل مجهود ممكن. وهذه ليست مجرد مخاوف نظرية، بل مؤشرات بدأت ملامحها تظهر داخل عدد من المؤسسات التعليمية.
ولعل واقع بعض الأقسام في التعليم الثانوي التأهيلي يقدم صورة واضحة عن حجم هذه الأزمة:
فبالنسبة إلى فئة من المتعلمين، أصبحت الدراسة مجرد إشاعة أو واجب مفروض عليهم من طرف الأسرة، لا يحملون تجاهه أي اهتمام حقيقي. يحضرون إلى المؤسسة التعليمية دون رغبة في التعلم، ولا يشغل بالهم داخلها سوى المظهر الخارجي واللباس والأحاديث الجانبية، بعيداً عن الانشغال بالمعرفة والتحصيل الدراسي.
يقضون ساعات طويلة من الليل في السهر أمام شاشات الهواتف، بين الألعاب الإلكترونية والمحادثات ومقاطع تيك توك وغيرها من منصات التواصل الاجتماعي، ثم يلتحقون صباحاً بالفصول الدراسية في حالة من التعب والنعاس، دون استعداد نفسي أو ذهني للتعلم.
وقد تجد بعضهم يدخل القسم دون دفتر أو كتاب أو قلم، ولا يبدي أي رغبة في المشاركة أو التفاعل أو المساهمة في بناء الدرس. بل إن أقصى ما يعنيه هو تسجيل الحضور وإثبات الوجود داخل المؤسسة، إرضاءً لولي أمره، وضماناً لاستمرار الاستفادة من الدعم الاجتماعي الذي يقدمه برنامج «تيسير».
وهنا يطرح السؤال الجوهري نفسه: هل أصبحنا أمام متعلمين يذهبون إلى المدرسة من أجل التعلم وبناء المستقبل، أم أمام فئة تعتبر المدرسة مجرد فضاء لقضاء ساعات محددة والحصول على شهادة أو دعم مالي دون بذل الجهد اللازم؟
أما أسباب هذا التراجع، فهي متعددة ومتشابكة، ويمكن إجمال أبرزها فيما يلي:
1- تضخم النقط وغياب الاستحقاق الحقيقي:
حصول بعض المتعلمين على معدلات دراسية لا تعكس مستواهم الحقيقي، سواء بسبب التساهل في التقويم، أو منح نقط لا تستند إلى مكتسبات فعلية، أو اللجوء إلى الغش الذي أصبح لدى فئة منهم سلوكاً مألوفاً لا يثير أي إحساس بالذنب. والنتيجة هي انتقال متعلمين من مستوى إلى آخر دون امتلاك الحد الأدنى من التعلمات الضرورية لمسايرة الدراسة.
2- اختلالات التوجيه والخريطة المدرسية:
إن سوء التوجيه، وضعف ملاءمة المسارات الدراسية مع قدرات المتعلمين وميولاتهم، إلى جانب بعض الممارسات المرتبطة بالخريطة المدرسية وما يصطلح عليه بمذكرة «البستنة»، يساهم في إفراغ العملية التعليمية من معناها، ويكرس الانتقال الشكلي على حساب التحصيل الفعلي والاستحقاق.
3- هيمنة ثقافة الأرقام وسياسة «شوفوني»:
أصبح بعض المسؤولين والمؤسسات التعليمية منشغلين بالتنافس حول نسب النجاح والانتقال ومعدلات النتائج، في سباق محموم لإظهار التفوق وتحقيق أرقام قياسية ترضي الجهات الوصية، دون إعطاء الأولوية لجودة التعلمات ومدى امتلاك المتعلمين للكفايات الأساسية. وهكذا تتحول الأرقام من وسيلة لتقييم الأداء إلى غاية في حد ذاتها، ولو كان ذلك على حساب الحقيقة التربوية.
4- أزمة القيم وغياب القدوات الحقيقية:
يعاني جزء من الناشئة من أزمة في منظومة القيم والمرجعيات، حيث أصبحت بعض النماذج التي تروج لها مواقع التواصل الاجتماعي مصدراً للتأثير والاقتداء، رغم افتقارها إلى العمق الثقافي أو الفكري أو الأخلاقي. وأصبح المظهر والشهرة والاستعراض لدى البعض أكثر جاذبية من الاجتهاد والعلم والانضباط والعمل الجاد.
5- الاستعمال المفرط للهاتف والسهر ليلاً:
أدى الاستعمال غير المنضبط للهواتف الذكية، والإدمان على الألعاب الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، إلى استنزاف وقت المتعلمين وتركيزهم، والإخلال بنظام نومهم، وإضعاف قدرتهم على الصبر والانتباه وبذل المجهود. كما ساهم في تكريس ثقافة الاستهلاك السريع للمعلومة وانتظار الوصفات الجاهزة والملخصات، بدل البحث والاجتهاد والتفكير المستقل.
6- تراجع دور الأسرة في التتبع والمواكبة:
لا يمكن تحميل المدرسة وحدها مسؤولية تربية الناشئة وتقويم سلوكهم، في ظل غياب أو ضعف مواكبة بعض الأسر. فهناك أولياء أمور لا يتابعون نتائج أبنائهم، ولا يراقبون أوقات نومهم واستعمالهم للهاتف، ولا يحثونهم على المواظبة والاجتهاد وتنظيم الوقت. بل إن بعضهم لا يتجاوب حتى مع الاتصالات المتكررة التي تبادر بها إدارة المؤسسة التعليمية لإخبارهم بتعثر أبنائهم أو غيابهم أو سلوكياتهم. إن غياب الشراكة الحقيقية بين الأسرة والمدرسة يترك المتعلم دون مواكبة أو توجيه أو محاسبة.
7- جمود المناهج وضعف مواكبة التحولات المعاصرة:
رغم أهمية التسلسل المنطقي للمناهج والارتباط بين مختلف المستويات الدراسية، فإن هذه المناهج تحتاج إلى مراجعة عميقة تضمن ملاءمتها للتحولات المتسارعة التي يعرفها العالم. فلا يعقل أن نستمر في تلقين محتويات ومقاربات لا تواكب بما يكفي متطلبات العصر الرقمي، والثورة التكنولوجية، والذكاء الاصطناعي، والتحولات التي يعرفها سوق الشغل. نحن بحاجة إلى مدرسة تنمي التفكير النقدي والإبداع والاستقلالية والقدرة على حل المشكلات، لا مدرسة تكتفي بتلقين المعلومات واسترجاعها خلال الامتحانات.
فإلى متى سنستمر في تجميل الواقع بالأرقام؟
إن إنقاذ التعليم العمومي لم يعد خياراً مؤجلاً، بل أصبح ضرورة وطنية ملحة. ولا يمكن تحقيق ذلك بمزيد من الشعارات والمذكرات والمخططات التي تنتهي عند حدود التقارير الإدارية، وإنما بالاعتراف الصريح بحجم الاختلالات، والقطع مع ثقافة النجاح الوهمي، وإعادة الاعتبار للمعرفة والاستحقاق والانضباط والمسؤولية.
نحن بحاجة إلى تقويم حقيقي وصارم يضمن أن تكون النقط والمعدلات انعكاساً للمستوى الفعلي للمتعلمين، وإلى مراجعة منظومة التوجيه والخريطة المدرسية، وإعادة الاعتبار لهيبة الأستاذ والمدرسة، وتفعيل دور الأسرة، وتأطير استعمال التكنولوجيا، وتحديث المناهج والبرامج بما يتلاءم مع متطلبات الحاضر والمستقبل.
فالمدرسة ليست مجرد فضاء لاحتضان المتعلمين إلى حين انتهاء الزمن المدرسي، وليست مؤسسة لإنتاج نسب النجاح وتجميل التقارير الإحصائية، بل هي ورش لبناء الإنسان وتكوين المواطن وإعداد الأجيال القادرة على التفكير والإبداع والمساهمة في تنمية الوطن.
إن أخطر ما يمكن أن نرتكبه في حق الأجيال القادمة هو أن نمنحها شهادات دون معرفة، ونقطاً دون استحقاق، وانتقالات دون تعلمات، ثم نكتشف بعد سنوات أننا صنعنا وهماً اسمه النجاح، وأننا فرّطنا في أجيال كان من المفترض أن تكون رهان المستقبل.
أنقذوا المدرسة العمومية قبل أن تفقد رسالتها، وأنقذوا الناشئة قبل أن تفقد بوصلتها؛ فمستقبل المغرب لا يُبنى بالأرقام التي نعلنها، بل بالعقول التي نكوّنها، والقيم التي نغرسها، والكفاءات التي نؤهلها.
إنها مسؤولية الجميع، لكن الوقت لم يعد يسمح بمزيد من التأجيل أو الهروب إلى الأمام.
ذ: عيسى هياب