جريدة إلكترونية مغربية

آسفي تحتضن ملتقى اسفي للتكنولوجيات الرقمية تحت شعار الرقمنة و الذكاء الاصطناعي آفاق جديدة للارتقاء بالممارسات الصفية و تجويد التعلمات 

احتضنت مدينة آسفي يومي 10 و11 فبراير 2026 فعاليات ملتقى آسفي للتكنولوجيا التربوية، المنظم تحت شعار: “الرقمنة والذكاء الاصطناعي: آفاق جديدة للارتقاء بالممارسات الصفية وتجويد التعلمات”، في سياق تربوي يتسم بتسارع التحولات الرقمية وتنامي تأثيرات الذكاء الاصطناعي في مختلف مجالات الحياة، وعلى رأسها مجال التربية والتكوين. وقد شكل هذا الملتقى محطة علمية وتكوينية نوعية جمعت مسؤولين تربويين، وأكاديميين، ومفتشين، وأطرًا تعليمية من مختلف المديريات، في فضاء للحوار المهني والتفكير الجماعي حول رهانات تحديث الممارسات الصفية في ظل التحول الرقمي الذي تعرفه المدرسة المغربية.

 

انطلقت أشغال الملتقى بجلسة افتتاحية رسمية تميزت بحضور السيد مدير الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة مراكش–آسفي، والسيد المدير الإقليمي لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بآسفي، إلى جانب ممثلي الجمعيات المنظمة: جمعية تنمية التعاون المدرسي فرع آسفي، وجمعية حوض آسفي، وجمعية القلم لنساء ورجال التعليم، إضافة إلى ثلة من الفاعلين التربويين والباحثين. وقد أكدت الكلمات الافتتاحية أن التحول الرقمي لم يعد خياراً ظرفياً، بل أضحى توجهاً استراتيجياً ينسجم مع مقتضيات القانون الإطار 51.17 وخارطة الطريق 2022–2026، وأن الرهان الحقيقي يكمن في توظيف الرقمنة والذكاء الاصطناعي لخدمة جودة التعلمات وتعزيز نجاعة الأداء التربوي داخل الفصل الدراسي. كما تم التشديد على أن التكنولوجيا ينبغي أن تُؤطر برؤية بيداغوجية واعية تجعلها أداة تمكينية داعمة للفعل التعليمي، لا مجرد إضافة تقنية معزولة عن سياقها التربوي.

 

وعقب الجلسة الافتتاحية، انطلقت الندوة العلمية التي تولت تسييرها الأستاذة بشرى الغداني، حيث قدم الدكتور عبد الناصر لفريفرة مداخلة بعنوان Intelligence artificielle générative : enjeux et pratique تناول فيها أبعاد الذكاء الاصطناعي التوليدي وإمكاناته في المجال التعليمي، مسلطاً الضوء على شروط الاستعمال الواعي والمسؤول لهذه الأدوات. كما ناقش الدكتور محمد الشنتوف موضوع رهانات الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل الممارسات المهنية، مؤكداً أن التحول الرقمي يقتضي إعادة هندسة التخطيط والتدبير والتقويم داخل الفصل الدراسي. فيما قدمت الدكتورة سمر الشخراطي عرضاً حول L’Architecture du Prompt، مبرزة أهمية هندسة الطلب وصياغة التوجيهات باعتبارها مهارة معرفية جديدة تُمكن من توجيه الذكاء الاصطناعي لخدمة أهداف التعلم. وقد أعقب المداخلات نقاش علمي معمق أتاح للحضور توسيع دائرة التفكير حول التحديات الأخلاقية والمنهجية المرتبطة بإدماج هذه التقنيات في السياق المدرسي.

 

وفي جلسة تقاسم التجارب، التي سيرتها الأستاذة خديجة خبار، أتيحت الفرصة لنماذج ميدانية تعكس التحول الفعلي داخل الأقسام الدراسية، حيث قدم الأستاذ إقبال أوعيسى تجربة توظيف الميتافرس في تدريس العلوم، مقدماً تصوراً لتوسيع فضاء التعلم إلى بيئات افتراضية تفاعلية. كما عرض الأستاذ صلاح تيكوردي تجربة “Du carnet de lecture au carnet de lecture collaboratif augmenté”، مبرزاً كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون محفزاً لبناء ذات قارئة فاعلة داخل درس اللغة الفرنسية. وقدمت الأستاذة فاطمة الزهراء المهدون شهادة تأملية بعنوان “ما الذي تعلمته كمدرسة في زمن الذكاء الاصطناعي؟”، جمعت بين البعد الشخصي والتحول المهني، فيما اختتم الأستاذ مصطفى جلال هذه الفقرة بعرض تجربة الإذاعة والتلفزة المدرسية باعتبارها فضاءً لبناء الكفايات التواصلية والرقمية لدى المتعلمين.

 

أما اليوم الثاني، فقد انطلق بورشات تكوينية تطبيقية متوازية، جسدت الانتقال من التأطير النظري إلى التعلم بالممارسة، حيث أطر الأستاذ رضوان السّكاف والأستاذ عزيز البقالي ورشة حول توظيف الذكاء الاصطناعي في أنشطة تقويم وتتبع تعلم التلاميذ، مبرزين آليات تحليل المعطيات وتتبع التعثرات. وقدم المفتش التربوي عبد الكريم الحياني ورشة حول دور الذكاء الاصطناعي في تخطيط التعلمات، واضعاً التخطيط في أفق استباقي قائم على المعطيات. كما اشتغلت الأستاذتان ليلى الطايك ورجاء رمضان على هندسة التعلمات الرقمية وتصميم الأنشطة التفاعلية في عصر الذكاء الاصطناعي، في حين ركز الأستاذ مصطفى عقروش على هندسة الفيديو التربوي بأدوات الذكاء الاصطناعي، مستعرضا مراحل الإنتاج من الفكرة إلى المونتاج الذكي.

 

واختتمت فعاليات الملتقى في أجواء احتفالية متميزة، تم خلالها توزيع شواهد المشاركة وشواهد التأطير والتذكارات الرمزية على المؤطرين والمتدخلين، في لحظة اعتراف بالمجهود الجماعي الذي بذله المنظمون والشركاء والمشاركون. وقد بصمت أجواء الملتقى بروح إيجابية من الحوار والانفتاح والتفكير الجماعي، حيث لم تقتصر قيمة الحدث على محتواه العلمي، بل تجلت أيضاً في دينامية التبادل والتقاسم التي ميزت مختلف فقراته.

 

لقد أكد ملتقى آسفي للتكنولوجيا التربوية أن تجويد الممارسات الصفية في عصر الرقمنة رهين بوعي مهني نقدي، وبانخراط فعلي للفاعلين التربويين في استثمار الإمكانات الرقمية توظيفاً هادفاً ومسؤولاً. كما شكل هذا الموعد محطة تربوية بارزة تعكس تلاقي الإرادة المؤسساتية والمبادرة المدنية في خدمة مدرسة مغربية حديثة، منفتحة، وقادرة على مواكبة تحولات القرن الحادي والعشرين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.