أسقف “الصابا” بالمدينة العتيقة لآسفي… ظلال التاريخ المهددة بالسقوط
تحت أقواسها المعتمة وأسقفها الخشبية، تعبر أقدام المارة يوميا في المدينة العتيقة لآسفي دون أن ينتبه الكثيرون للكنز المعماري الذي يعلو رؤوسهم. “الصابا”، تلك الممرات المسقوفة التي تميز نسيج آسفي القديمة، تواجه اليوم خطر الاندثار.

1. ما هي الصابا؟
الصابا هي ممر عمومي مسقوف، ينشأ عندما يقوم صاحب منزل بتمديد الطابق العلوي لبيته فوق جزء من الزقاق. هكذا يربح مساحة إضافية للسكن، ويمنح المارة ممرا مظللا يحميهم من شمس الصيف الحارقة وأمطار الشتاء. هي حل معماري ذكي ولدته ضيق الأزقة وحاجة السكان للتوسع.

2. تقنية بناء متوارثة
أسقف الصابا في آسفي القديمة ليست مجرد خشب مرصوص. هي منظومة بناء متكاملة توارثها “المعلمية”:
– الهيكل: عوارض ضخمة من خشب العرعار أو الأوكالبتوس، المعروف بمقاومته للرطوبة والحشرات، تمتد بين جداري الزقاق.
– الحشو: تُصف فوق العوارض حزم من القصب بشكل متراص ودقيق. القصب خفيف الوزن، عازل ممتاز، ومتوفر بكثرة في ضواحي آسفي.
– الغطاء: تُفرش طبقة سميكة من خليط الطين والتبن والجير فوق القصب. عند جفافها تصبح صلبة كالإسمنت، تمنع تسرب المياه وتوفر عزلا حراريا طبيعيا.
هذه التقنية تجعل حرارة الصابة معتدلة طوال السنة، وتحولها لملجأ بارد يهرب إليه السكان في قيظ يوليوز وغشت.

3. بين الإهمال والصمود
رغم متانتها، بدأت أسقف صابات كثيرة في درب الكنيسية، الكواورة القونسو فرانسيس …تتهاوى. يقول الحاج محمد، أحد سكان المدينة القديمة: “الدار اللي مات مولاها كتخلا، ومنين كتخلا الدار كيطيح سقف الصابة اللي تحتها.وهذا ما شاهدناه مؤخرا لسقف “خيرية البنات قديما” القريبة من مدرسة المدينة درب الكنيسة الإسبانية.
غياب الصيانة، وتسرب مياه الأمطار، وثقل البناء العشوائي فوقها من أهم أسباب الانهيار. ومع كل سقف يسقط، تفقد آسفي جزءا من هويتها وذاكرتها البصرية.

4. نداء للحفاظ على الذاكرة
تعتبر صابات آسفي جزءا أصيلا من التراث المادي للمدينة، وسمة تميزها عن مدن عتيقة أخرى. جمعيات المجتمع المدني تطالب اليوم بإحصاء شامل للصابات الآيلة للسقوط، وإطلاق برنامج استعجالي لترميمها بنفس المواد والتقنيات الأصلية، قبل أن تتحول هذه الممرات الظليلة إلى مجرد حكايات يرويها الآباء للأبناء.

فالحفاظ على سقف الصابة ليس حفاظا على خشب وقصب، بل حفاظ على روح المدينة العتيقة، وعلى عبقرية الإنسان المسفيوي الذي طوع مواده البسيطة ليصنع عمارة إنسانية بامتياز.