بين البذلة السوداء وأوراق الإدارة.. المواطن وحيدا في انتظار عدالة لا تضرب
دخل الرجل البسيط إلى المحكمة كما يدخل المغاربة إلى الإدارات كل يوم، حاملا ملفا متعبا وأملا بسيطا: وثيقة، استفسار، إجراء، أو حق تأخر كثيرا.
لم يكن يعلم أن معركة تدور فوق رأسه.
المحامون، بكل الاحترام لمهنتهم النبيلة ولدورهم التاريخي في الدفاع عن الحقوق والحريات، يخوضون معركة يعتبرونها دفاعا عن استقلالية المهنة وتنظيمها الذاتي، ويرفضون ما يرونه مساسا بمكتسبات تراكمت عبر عقود.
والوزارة الوصية، بكل الاحترام أيضا، تتحدث عن الإصلاح والتحديث والرقمنة وتطوير منظومة العدالة.
لكن، بين هذا وذاك، يقف المواطن المغربي وحيدا.
وحيدا داخل المحكمة، وحيدا أمام المساطر، وحيدا أمام لغة قانونية لا يفهمها، وحيدا أمام شبابيك لا ترحم، وحيدا أمام سؤال بسيط:
– لماذا أشعر وكأن العدالة لا تتحدث لغتي؟
من يشرح للمواطن البسيط ما يقع؟
من يعوضه عن الأيام الضائعة؟
من يخبر الأرملة، والمطلق، والعامل البسيط، والطالب، والمهاجر العائد، أن معركتهم اليومية ليست ضمن جدول الأعمال؟
أليس من حقهم أن يسألوا؟
إذا كانت المحاكم مفتوحة، والجلسات مستمرة، فلماذا تتعطل مصالح الناس؟
إذا كانت الرقمنة عنوان المرحلة، فلماذا لا تزال الورقة أقوى من الحاسوب؟
إذا كنا نتغنى بالمحكمة الرقمية، فلماذا ما زال المواطن يركض بين النوافذ والأختام والنسخ الورقية؟
ألم يحن الوقت للاستغناء عن جزء كبير من هذه الصياغات الورقية التي يمكن للوسائل الرقمية المتوفرة أن تعوضها؟
أم أن الرقمنة عندنا لا تزال شعارا جميلا في الندوات والتقارير، بينما الواقع شيء آخر؟
وهل يحتاج المواطن إلى محام فقط لأنه لا يستطيع فهم الإدارة؟
وهل المطلوب من المواطن أن يدرس القانون حتى يطلب وثيقة أو يتابع ملفا؟
وهل أصبحت بساطة المساطر خطرا يجب مقاومته؟
أسئلة قد تبدو مزعجة، لكنها مشروعة.
فالمواطن لا يعادي المحامين، بل يدرك أن المحامي ضمانة من ضمانات المحاكمة العادلة.
ولا يعادي الوزارة، بل ينتظر منها إصلاحا يلمسه على أرض الواقع.
لكنه يتساءل:
كيف نتحدث عن تبسيط المساطر، بينما التعقيد لا يزال سيد الموقف؟
كيف نتحدث عن الإدارة الرقمية، بينما المواطن ما زال يحمل ملفات ثقيلة من مكتب إلى مكتب؟
كيف نتحدث عن العدالة القريبة من المواطن، بينما هذا الأخير يشعر في كثير من الأحيان أنه غريب داخل مؤسسة يفترض أنها وجدت لخدمته؟
إن الدفاع عن استقلالية المحاماة حق مشروع، والسعي إلى إصلاح العدالة مسؤولية مشروعة.
لكن حق المواطن في الولوج السهل إلى العدالة ليس امتيازا يمنح، بل حق دستوري لا ينبغي أن يصبح ضحية لأي شد وجذب.
فالمواطن ليس طرفا في الخلاف، لكنه غالبا أول من يؤدي الثمن.
وربما حان الوقت لطرح السؤال الأكثر إزعاجا:
هل نريد إصلاحا يخدم المهن فقط؟
أم إصلاحا يجعل المواطن، لأول مرة، يشعر أن العدالة ليست متاهة، وأن الإدارة ليست لغزا، وأن الرقمنة ليست مجرد كلمة جميلة تعلق على الجدران؟
فلا البذلة السوداء عدو للمواطن، ولا الوزارة خصمه.
لكن المواطن تعب من أن يبقى وحيدا.. وحيدا أمام الورقة، وحيدا أمام الانتظار، وحيدا أمام إدارة لا تزال، رغم كل الحديث عن المستقبل، تفكر بعقل الأمس.
