من المَاضي البعيد .. سِينمَا الرّوكسي Roxy أو أسَفي على أسَفي
لك يَا منازل في القلوب منازلُ
أقفرتِ أنتِ وهنّ منك أوَاهل
هنا تعلمتُ أولى مبادئ السينما وتتبعتُ أفلام الويستيرن والبّانضية . لم يكن الثمن يتجاوز ال 50 فرنكاً أو سنتيماً . كنا مجموعة من الأطفال أنا الوحيد الذي قدمت من البادية نحو مدينة النور بمقاييس أهل عبدة آنذاك : بن الساقي والشرودي وبن الشّانع والمرحوم السّايل . نجتهد في الدراسة ونتنافس ونعلّم بعضنا البعض بتصحيح الأخطاء في اللغة الفرنسية . أو شرح الفيلم وملابساته في نوع من الإدمان الرّائع والجميل .
أغلقت اليوم جميع دور السينما أبوابها في المدينة الجميلة . لم يعد هناك زبناء بعدما ظهرت الأنترنيت والأفلام المقرصنة : سينما الأطلس حيث كنا نشاهد أفلام اللصوص والتجسس الإنجليزية . وأفلام فريد الأطرش وأم كلثوم . والملكي أو royal حيث شاهدنا بعد ازدحام شديد في سنة 1970 فيلم أبي فوق الشجرة لعبد الحليم حافظ ونادية لطفي . والرّوكسي .. كما أغلقت المكتبة الغنية المحاذية لها واحتل مكانها بائعو البضائع الاستهلاكية والملابس . إذ لم يعد هناك قرّاء ومحبّون “لخير جليس” . بعد أن كنتُ أستيقظ يوم الأحد صباحاً في تسابق محموم للحصُول على نسختي الشهرية من مجلّة العربي الكويتية الممتعة والمفيدة بثمن درهمين و20 سنتيماً . تعرفت من خلالها على مبادئ العلم والأدب والفلسفة والتاريخ . عرفت سارتر وهيدجر وزكريا إبراهيم بقطر الذي وجدته بشحمه ولحمه بكلية الآداب بالرباط . والذي ألّف كتباً متعددة لوصف وحلّ عدة مشاكل فلسفية متعلّقة بالحياة والإنسان والوجود : مشكلات فلسفية . مشكلة الإنسان مشكلة الأخلاق . مشكلة الحياة . مشكلة اللغة .. كما استوردت تلك المكتبة أمهات الكتب العربية والمصرية مما نقلنا من الظلمات إلى النور .
كانت احتفالات آسفي بعيد العرش عارمة . كما كانت المدينة الجديدة أو البّلاطو آهلةً بالمتعاونين الفرنسيين les coopérants الذين أرسلتهم فرنسا لتعليمنا . قيل لنا بأن أغلبهم من اليساريين المتمردين والنقابيين العتاة والأشداء … لذلك تخلصت منهم الحكومة ونفتهم للمغرب ودول العالم الثالث . درّسونا بموضوعية وتجرد وبدون احتقار أو النبش في معتقداتنا وثقافتنا المختلفة .. Hommage à : مدام سولتي madame soulti ومسيو ميتجي mitgé وأسماء أخرى لم أعد أتذكرها ساهمت في تشكيل عقولنا وتنويرنا في جو من المرح والصرامة القاسية والهادفة في نفس الوقت . لا زلنا نجني ثمارها اللذيذة إلى اليوم في حبنا للقراءة والاستمرار في التعلم والاجتهاد . اليوم لما أزور آسفي أتأسف على زمان من الجمال والفوائد العميمة مضى من غير رجعة . حين عوّض شاويو الكبال وطابخو السوسيس بالدكاكين والساحات العامة بائعي الكتب القديمة ذات القيمة الكبيرة . خاصةً بالجوطية . مما أنتج تلاميذ في غاية الذكاء والمعرفة . بعضهم أصبح أستاذاً جامعياً بألمانيا والسوربون . بعضهم الآخر أصبح من كبار السياسيين والمثقفين المعارضين . بعدما علّمونا أبجَديات السياسة وخفايا الأحزاب وتذويب بن بركة في صهريج الحامض . Hommage للصديق المرحوم علي الهلالي وبلمعيزي وآخرون لم تسعفني ذاكرتي في استحضار أسمائهم الغالية إلا واحد من الكبار والمختفين في ردهات السجون إلى الأبد : عبد الهادي الجّعيدي عبقري الرياضيات والأخلاق السامية . ولكريمي أستاذ الرياضة ولاعب اتّحاد آسفي الذي مات في حادثة سير قرب أزمور وهو يسوق لأول مرة سيارة سيمكا simca 1000التي لم يكن يتجاوز ثمنها آنذاك 90.000 ريال هي ومنافستها القوية ال r4.. لكنه خرج ولم يعد !
كما تعلّمنا فيه شيئاً من الحب أو بالأحرى شذرات منه في منعرجات درب الحبس وربوع تراب الصيني . مع بصيص من النضال في محيط ثانوية الإدريسي التقنية . وأرجاء ثانوية ابن خلدون الشاسعة والفسيحة هاتفين على إيقاعات مناضلين كبار من طينة الجّگنّي وبركات المناضل اللّينيني الخالد ..! مرددين طيلة سنة دراسية بيضاء بكاملها لازمة : واهلَ الله واهل الله راحنا ما قاريينش ..
تحية للجميع
حسَن الرّحيبي..