جريدة إلكترونية مغربية

أسياد الطين والنار: بوجمعة العملي… الرجل الذي صنع مجد آسفي وعاش في الظل

أبطال بلا مجد

هناك رجال لا يتركون وراءهم ثروة أو سلطة، بل يتركون مدينة بأكملها تحمل بصمتهم. ومن بين هؤلاء يبرز اسم بوجمعة العملي، أحد رواد النهضة الخزفية بالمغرب، والرجل الذي ارتبط اسمه بمجد آسفي الفني والثقافي.

من فرنسا إلى تل الخزف

 

تخرّج بوجمعة العملي من كبريات مدارس الفنون الجميلة والخزف بالجزائر وفرنسا، لكنه في آسفي وجد رسالته الحقيقية. فعندما استقر بالمدينة سنة 1919، وقع في حب تل الخزف وطين آسفي، وقرر أن يكرس حياته لتطوير هذه الحرفة التي كانت آنذاك تقتصر على الأواني الموجهة للاستعمال اليومي.

 

ثورة غيرت وجه المدينة

 

رأى العملي في طين آسفي ما لم يره الآخرون، فأدخل أساليب علمية في التكوين والتصميم والزخرفة، وطوّر تقنيات الحرق والتلوين، واستخرج الأصباغ من النباتات، واستعمل معادن كالفضة والنحاس والذهب في أعماله.

 

وبفضل جهوده اكتسب الخزف المسفيوي هويته المميزة وتحول من حرفة بسيطة إلى فن راقٍ وصناعة ذات إشعاع وطني ودولي، حتى أصبح الخزف بآسفي يُعرف باسم “خزف العملي”، في اعتراف نادر برجل ارتبط اسمه بفن كامل وبمدينة بأكملها.

أول مدرسة للخزف في إفريقيا

 

لم يحتفظ العملي بأسرار المهنة لنفسه، بل ساهم في تأسيس أول مدرسة للمهن الخزفية بالمغرب وإفريقيا، حيث كوّن أجيالاً من المعلمين والحرفيين الذين حملوا مشعل الخزف لعقود طويلة.

 

ولم تكن هذه الثورة فنية فقط، بل كانت أيضاً ثورة اقتصادية واجتماعية وثقافية ساهمت في خلق فرص الشغل، وتكوين الكفاءات، وجعل آسفي عاصمة للخزف المغربي.

تل الخزف… ذاكرة مدينة

 

لم يقتصر دور بوجمعة العملي على تطوير الخزف، بل ساهم أيضاً في إبراز القيمة التراثية لتل الخزف والدفع نحو الحفاظ عليه، وهو ما تُوّج بتصنيفه موقعاً تراثياً بمقتضى ظهير 29 نونبر 1920.

 

ومنذ ذلك الحين أصبح تل الخزف أحد أبرز معالم آسفي التاريخية ومقصداً للباحثين والزوار والمهتمين بهذا الفن من مختلف أنحاء العالم.

 

مدرسة تستغيث

 

لكن المفارقة المؤلمة أن مدرسة بوجمعة العملي، التي شهدت هذه النهضة، تعيش اليوم وضعاً لا يليق بمكانتها التاريخية. فالبناية تعاني آثار الزمن والإهمال، في وقت كان يفترض أن تكون متحفاً وفضاءً حياً يحفظ ذاكرة الخزف المغربي.

 

إن أقل ما يستحقه هذا الرجل هو إنقاذ مدرسته من التدهور، وتحويلها إلى متحف يحمل اسمه، وتخصيص فضاء دائم يخلّد أعماله وإبداعاته التي ساهمت في تغيير المسار الثقافي والاقتصادي والاجتماعي لمدينة آسفي.

 

بوجمعة العملي لم يصنع الخزف فقط… بل ساهم في صناعة مجد آسفي نفسها.

 

فالمدن لا تموت حين تنهار حجارتها، بل حين تنسى من صنعوا تاريخها

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.