حين امتلأت القاعة بالأمل وأثبتت القنيطرة أن الثقافة ما زالت تنبض
– لطيفة بنعاشير
هناك أمسيات تنتهي بإطفاء الأضواء، وهناك أمسيات تظل مضاءة في الذاكرة طويلاً. وما عاشته القنيطرة في حفل نهاية السنة الدراسية 2025-2026 للمعهد المحلي للموسيقى وفنون الرقص، المنظم بمناسبة اليوم العالمي للموسيقى تحت شعار “أنغام تتجدد ومواهب تتألق”، كان من تلك اللحظات التي لا تُختصر في حفل فني، بل تتحول إلى قصة جميلة عن مدينة ما زالت تؤمن بالثقافة والجمال.

منذ الساعة الرابعة بعد الزوال، بدأ الجمهور يتقاطر نحو المركز الثقافي بالقنيطرة. أطفال بأعين يملؤها الشغف، وآباء وأمهات يحملون فخرهم بأبنائهم، وشباب وشيوخ جاءوا ليقتسموا لحظة استثنائية. وما هي إلا لحظات حتى امتلأت القاعة بالكامل، ولم يعد فيها مقعد شاغر. كان ذلك المشهد في حد ذاته رسالة بليغة: الجمهور ما زال متعطشاً للفن، وما زالت الثقافة قادرة على جمع الناس حول الجمال.

لم تكن القاعة ممتلئة بالجمهور فقط، بل كانت ممتلئة بالحب، وبالأمل، وبالإيمان بأن الموسيقى والرقص والفنون قادرة على أن تمنح الحياة معنى آخر.
وعلى امتداد سبع ساعات، إلى غاية الحادية عشرة ليلاً، تعاقبت الفقرات الفنية في لوحة مبهرة جمعت بين الموسيقى وفنون الرقص، وأبان خلالها طلبة المعهد عن مواهب جميلة وتمكن كبير من الآلات الموسيقية، مؤكدين أن الإبداع لا عمر له، وأن الموهبة حين تجد من يحتضنها تتحول إلى رسالة للحياة.

ولم يكن ما قدم فوق الخشبة مجرد عروض فنية عابرة، بل كان ثمرة جهد طويل، وعمل دؤوب، وحب كبير للفن. فخلف كل نغمة جميلة كان هناك أستاذ آمن بقدرات تلامذته، وخلف كل عرض ناجح كان هناك مؤطر وقائم على المعهد سهر على التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة.
لقد أبان الأساتذة والمؤطرون والقائمون على المعهد عن حنكة كبيرة في التأطير والتكوين، ونجحوا في تحويل قاعات الدرس إلى فضاءات لصناعة الحلم والإبداع، وفي غرس حب الفن في نفوس الأطفال والشباب. وما شاهدناه فوق المنصة لم يكن فقط نجاحاً لطلبة موهوبين، بل كان أيضاً نجاحاً لأساتذة اختاروا أن يكونوا صناعاً للجمال، وأن يجعلوا من الفن مدرسة للتربية والانفتاح والإنسانية.

كما شكل الحفل مناسبة للاحتفاء بالمتفوقين، في لحظة اعتراف جميلة بمجهوداتهم وإصرارهم على التميز، لأن تكريم المجتهدين هو أيضاً تكريم للأمل، ورسالة لكل طفل وشاب بأن الأحلام الكبيرة تبدأ بخطوات صغيرة.
ومن بين المشاهد التي تستحق التوقف عندها، حضور السيدة المديرة الإقليمية للثقافة التي تابعت الحفل إلى نهايته. وقليل هم المسؤولون الذين يختارون البقاء حتى إسدال الستار على الأنشطة التي يشرفون عليها. وبقاؤها إلى آخر لحظة كان خير دليل على نجاح هذه التظاهرة، وعلى الإيمان بأهمية ما يقدمه الفن والثقافة للمجتمع.
لكن ربما كان المشهد الأجمل في تلك الليلة هو حضور العائلات. آباء وأمهات جاؤوا ليصفقوا لأبنائهم، وليقولوا لهم إن الأحلام الصغيرة تستحق أن تُشجع، وإن الفن يستحق أن يُحتضن. فحين ترافق الأسرة أبناءها إلى فضاءات الثقافة، فإنها لا تشجعهم فقط على تعلم الموسيقى أو الرقص، بل تعلمهم أيضاً حب الحياة، والانفتاح، والقدرة على التعبير والإبداع.
لقد جمع هذا الحفل الأطفال والشباب والشيوخ، وجمع أجيالاً مختلفة تحت سقف واحد، وجعل من الفن لغة مشتركة يفهمها الجميع دون حاجة إلى ترجمة.
والقنيطرة، يوماً بعد يوم، تثبت أنها مدينة متشبثة بالثقافة والفنون، مدينة ترفض أن تستسلم لفكرة أن الفن مجرد ترف أو نشاط ثانوي. إنها مدينة تؤمن بأن الموسيقى والمسرح والرقص والكتاب جزء من هويتها، وأن الاستثمار في الثقافة هو استثمار في الإنسان نفسه.
إن المعاهد والمراكز الثقافية ليست مجرد بنايات تُقام فيها الأنشطة، بل هي مصانع للأمل، ومشاتل للمواهب، ومدارس للحياة. فيها يكتشف الأطفال ذواتهم، ويجد الشباب فضاءات للتعبير عن طاقاتهم، ويستعيد الكبار إيمانهم بأن الجمال ما زال ممكناً.
في زمن يعلو فيه الضجيج، يأتي الفن ليتمرد على القبح، ويقول لنا إن الإنسان لا يحتاج فقط إلى الخبز، بل يحتاج أيضاً إلى أغنية، إلى لحن، إلى خشبة مسرح، وإلى لحظة تصالح مع ذاته.
وفي نهاية هذه الأمسية، لم تنطفئ الأنوار بإسدال الستار، بل أضيئت شموع جديدة في قلوب الحاضرين. خرج الجميع وهم يحملون يقيناً واحداً: أن الثقافة ما زالت بخير، وأن القنيطرة ما زالت تنجب المواهب وتحتضنها، وأن الفن، مهما اشتدت قسوة الحياة، سيظل دائماً أحد أجمل أشكال المقاومة والأمل.
تحية لكل أستاذ ومؤطر وقائم على المعهد، لكل طفل حمل حلمه وصعد إلى الخشبة، لكل أب وأم اختارا أن يزرعا في أبنائهما حب الفن، ولكل من يؤمن بأن الأمم لا تُبنى بالإسمنت وحده، بل تبنى أيضا بالنغم، وبالجمال، وبالإنسان.