جريدة إلكترونية مغربية

ظاهرة “الخبراء المتقاعدين”: عندما تتحول الشاشات إلى منصات لتفريغ عقد السلطة المفقودة

بــقلم هـــدى بــوكـدال

شهدت المنابر الإعلامية والشاشات الرقمية في الآونة الأخيرة تدفقاً لافتاً لشخصيات تقدم نفسها تحت مسمى “الخبراء الأمنيين”. ورغم أن التجربة الميدانية للمتقاعدين تُعد في الأصل ثروة معرفية يُفترض أن تُستثمر في سياق التعليم ونقل الخبرات، إلا أن المسار انحرف لدى البعض ليتحول إلى ما يمكن وصفه بـ “عقدة السلطة المفقودة”، حيث تحولت المنصات إلى ساحات لاستعراض البطولات الوهمية، وممارسة نوع من الإرهاب الفكري والابتزاز المعنوي ضد المؤسسات التي كانوا ينتمون إليها.

وهم السلطة وتضخم الأنا

إن الطامة الكبرى لا تكمن فقط في حالة الحقد الدفين التي يضمرها هؤلاء تجاه المسؤولين الذين ما زالوا في قمة الهرم ويؤدون واجبهم بنجاح، بل في تلك الاستعراضات البهلوانية التي يمارسونها خلف الميكروفونات. هؤلاء، وبتضخم واضح في الأنا على حساب الحقيقة، لا يسردون تجارب للتعلم، بل يمارسون استحضاراً قسرياً لهيبة مفقودة سلبها منهم واقع التقاعد، محاولين فرض عقيدتهم الاستبدادية القديمة كنموذج يجب اتباعه.

تشويه صورة المؤسسة وطعن المواطنة

والأخطر في هذا المشهد هو لجوء هؤلاء “الخبراء” إلى تمجيد ممارسات القمع والاستعلاء على المواطنين. إنهم، من حيث يزعمون الدفاع عن الجهاز الأمني، يقدمون صورة مشوهة ومسيئة لمؤسسات الدولة، مصورين إياها ككيانات سلطوية تخنق الحريات بدلاً من كونها درعاً لحمايتها.

وفي الوقت الذي تتجه فيه الدولة بكل ثقلها نحو تعزيز مفهوم “المواطنة” والعمل الأمني الاحترافي القائم على القرب من المواطن، يشكل هؤلاء خطراً داهماً، إذ تعتبر كل كلمة يلقونها بأسلوب استعلائي طعنة في ظهر ركائز الوطن. والمفارقة المرة أنهم، بدلاً من صون سمعة المؤسسة التي منحتهم يوماً شرف الخدمة، صاروا أشد الناس خطراً عليها عبر استخدام أبواق الإعلام لنشر التشكيك ومحاولة ليّ ذراع القرار الأمني عبر الضغط الشعبي المضلل.

إن أجهزتنا الأمنية أسمى وأرفع من أن تُختزل في شخصيات مهزوزة تبحث عن التقدير في ساحات الإعلام بعد أن استبعدها الواقع بدافع السن أو الاستغناء عن الخدمات. ولم يعد مقبولاً اليوم السكوت عن هذا العبث، فالزي الذي خلعوه ليس صكاً للحصانة الأبدية، والولاء للوطن لا يمر أبداً عبر بوابة ابتزاز الدولة أو الاستعلاء على المواطن.

إن الأمن الحقيقي يُبنى بالاحترافية، والقرب من المواطن، واحترام القانون، لا بالاستعراضات الإعلامية الفارغة. والدولة اليوم مطالبة أكثر من أي وقت مضى بالتحرك الصارم ومحاسبة كل من تسول له نفسه تشويه صورة الأجهزة الأمنية تحت ذريعة “الخبرة”، ليبقى الوطن حصناً منيعاً لا ملعباً لهواة السلطة المنهزمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.