العري في الأماكن العامة بالمغرب: حرية فردية أم خدش للحياء العام؟
بين غياب شرطة الآداب وتباين المواقف المؤسساتية، يطرح المجتمع المغربي إشكالية الضوابط الأخلاقية في الفضاء العام في ظل التحولات الاجتماعية التي يشهدها المغرب، برزت في الآونة الأخيرة ظاهرة لافتة للنظر تتمثل في ظهور مظاهر العري واللباس غير المحتشم في الأماكن العامة، مما أثار جدلاً واسعاً بين مؤيد يرى فيها تعبيراً عن الحريات الفردية، ومعارض يعتبرها خدشاً للحياء العام وانحرافاً عن الثوابت الأخلاقية للمجتمع.
زكية منصوري
في غياب شرطة الآداب عن الشوارع المغربية، أصبحت المشاهد التي تخدش الحياء العام تتكرر أمام أعين المرتفقين، مما يثير تساؤلات جوهرية حول حدود الحرية الفردية ومسؤولية الحفاظ على القيم المجتمعية في الفضاء المشترك.
تناقض المؤسسات
وتشير الملاحظات الميدانية إلى وجود تناقض واضح في التعامل مع ظاهرة اللباس بين المؤسسات والفضاء العام. فالإدارات العمومية تمنع ولوج مرتفقيها بلباس يخدش الحياء، كما تفرض المؤسسات التربوية على التلاميذ الالتزام بلباس موحد يحافظ على القيم والأخلاقيات التربوية، من خلال التزامات يوقعها أولياء الأمور في بداية كل موسم دراسي.
لكن الشارع المغربي يبقى فضاءً مفتوحاً أمام كل التناقضات، حيث يتساءل المواطنون عن أسباب هذا الازدواجية في المعايير بين ما يُمنع داخل المؤسسات وما يُسمح به في الخارج.
تداعيات اجتماعية وقانونية
وتتجاوز إشكالية العري في الأماكن العامة الجانب الأخلاقي لتطال جوانب أمنية وقانونية، حيث تؤدي هذه المظاهر في كثير من الأحيان إلى منحدرات خطيرة تبدأ بالملاسنات الكلامية، وتتطور إلى مشادات تنتهي بخصومات وعراكات، ثم الوقوف أمام مخافر الشرطة.
ويطرح المحللون الاجتماعيون إشكالية التطبيق القانوني في هذا المجال، مشيرين إلى أن القانون الجنائي المغربي يتضمن نصوصاً تتعلق بالخل العلني والإخلال بالحياء العام، لكن التطبيق العملي يواجه صعوبات في التمييز بين الحرية الفردية في اللباس وبين ما يعد خدشاً للحياء العام.
مطالب بتفعيل المسطرة الزجرية
وفي ظل هذه التحديات، تبرز دعوات متزايدة لتفعيل مسطرة قانونية رادعة لمواجهة هذه الظاهرة، من خلال عقوبات زجرية ودعائر مالية تهدف إلى ردع المخالفين، وحماية الفضاء العام من التحول إلى ساحة لصراعات أخلاقية تنتهي في أروقة المحاكم.
ويرى الداعون إلى تشديد الضوابط أن الهدف ليس تقييد الحريات، بل تحقيق التوازن بين الحرية الفردية وحقوق المجتمع في فضاء عام يحترم قيمه وثوابته، ويتيح للجميع العيش في بيئة تحفظ الكرامة والحياء.
الأسرة والقيم
لكن المعالجين لهذه الظاهرة لا يكتفون بالدعوة إلى الحلول القانونية، بل يشددون على ضرورة العودة إلى الجذور، من خلال إعادة بناء الأسرة كحصن أخلاقي ينقل القيم والتربية العالية للأجيال، كما كان عليه الحال في السابق.
ويؤكد المختصون في علم الاجتماع أن القانون وحده لا يكفي لتقويم السلوك، بل يجب أن يقترن بجهد تربوي وتثقيفي يعيد الاعتبار لقيم الحياء والوقار في المجتمع المغربي، مع الحفاظ على الهوية الثقافية والثوابت الحضارية للمملكة.
حرية مسؤولة
وتخلص الأصوات المطالبة بضبط الفضاء العام إلى ضرورة إعادة تعريف مفهوم الحرية في إطار المواطنة المغربية، مؤكدين أن الحرية الحقيقية ليست فعل حرية زائدة أو تقليداً أعمى، بل هي حرية مسؤولة تنبع من قيم المواطنة الحقة، وتحترم النسيج الاجتماعي والهوية الثقافية للمغرب.
وفي النهاية، يبقى الرهان على إيجاد عقد اجتماعي جديد يحدد فيه الجميع – الدولة والأسرة والفرد – حدود الحرية التي لا تضر بالغير، ولا تسيء للقيم الراسخة في الهوية المغربية، مع التأكيد على أن الحرية الحقيقية تعني المسؤولية والوعي بمقدسات الفضاء المشترك.