نساء الحانات كيف يستغلون الرجال وكيف يتظاهرون بالعفة وبأنهم ضحايا
محمد بلحاج
تُعد العلاقات الإنسانية معقدة بطبيعتها، لكنها تزداد تعقيداً وخطورة عندما تُبنى على مصالح مادية بحتة تتبطن بأقنعة عاطفية مزيفة. وفي بعض البيئات والأوساط المرتبطة بالسهر والحانات، تظهر أنماط سلوكية معينة تمارسها بعض الشخصيات بغرض استغلال الآخرين مادياً ونفسياً. تعتمد هذه الأنماط على التلاعب بالوعي الجمعي للرجل، مستغلةً غرائز الحماية والشهامة لديه، لتوقع به في شباك الابتزاز المستمر.
أولاً: جذور الاستغلال النفسي والمادي
لا يقتصر الاستغلال في هذه الأوساط على تبادل المنفعة الظاهرية، بل يتعداه إلى غرس جذور الاعتماد النفسي لدى الضحية. وغالباً ما تبدأ القصة باستهداف فئات معينة من الرجال، كالمحبطين عاطفياً، أو أولئك الذين يبحثون عن ملجأ مؤقت للهروب من ضغوط الحياة الواقعية.
خلق الحاجة الوهمية للإنقاذ: تعمد المستغِلة إلى تصوير نفسها كضحية للظروف القاسية أو لرجال خانوا ثقتها في الماضي، مما يحفز لدى الرجل رغبة لا إرادية في لعب دور “البطل المنقذ”.
التصعيد التدريجي للطلبات: تبدأ العلاقة بإبداء اهتمام مبالغ فيه ورفيع المستوى لرفع ثقة الرجل وغرورِه، ثم تتحول تدريجياً نحو طلب الدعم المالي تحت ذرائع لا تقبل النقاش، مثل الأزمات الطارئة أو الديون الملحة.
القلب الماهر للحقائق: حين يبدأ الرجل في استعادة وعيه ومساءلة تصرفات الطرف الآخر، يتم توجيه تهم قاسية له بالتقصير، أو غياب المروءة، أو التخلي في وقت الحوجة، مما يدفعه دفعاً لتقديم المزيد كنوع من إثبات حسن النية.
ثانياً: استراتيجيات التظاهر بالعفة والبراءة
إن أخطر ما يميز هذه النماذج السلوكية هو القدرة العالية على تقمص الأدوار وارتداء رداء العفة والطهارة رغم تناقض البيئة التي تواجدن فيها. وتتجسد هذه الاستراتيجيات في عدة محاور:
فصل الهوية عن المكان: تكرار مقولات تؤكد فيها المرأة أنها تواجدت في هذه الأماكن رغماً عن أنفها ولظروف قاهرة ومؤقتة، مع الفصل التام بين سلوكها المزعوم وبيئتها المحيطة لإقناع الضحية بأنها “استثناء” فريد.
استخدام الخطاب الأخلاقي والديني: اللجوء إلى استعارة المفردات المرتبطة بالشرف، الأصول، والمبادئ، لإضفاء هالة من المصداقية المزيفة وقطع الطريق على أي شكوك مبكرة قد تراود عقل الرجل.
سلاح الدموع والتمسكن: تُعتبر الاستجابة العاطفية السريعة، مثل البكاء المفتعل أو إظهار الانهيار العصبي عند مواجهتها بالأدلة أو التساؤلات المشروعة، درعاً واقياً يحول النقاش العقلاني إلى محاولة بائسة لمواساة الطرف الآخر والاعتذار له.
الغموض الممنهج: فرض ستار من السرية حول تفاصيل الحياة الشخصية والعائلية بحجة الخوف على السمعة أو الخصوصية، والهدف الخفي من وراء ذلك هو تفادي كشف التناقضات المتسلسلة في الأقوال والروايات.
إن الوعي بهذه الأساليب الملتوية يمثل خط الدفاع الأول والأساسي لكل إنسان لحماية نفسه من السقوط في فخ الابتزاز العاطفي والمادي. إن تحكيم العقل، والاعتماد على المعايير الواقعية والموضوعية في الحكم على الأشخاص والمواقف، بعيداً عن الانجراف خلف العواطف المؤقتة أو مظاهر الاستعطف المصطنعة، يظل الضمانة الأكيدة لحفظ التوازن النفسي والمادي في وجه هذه الممارسات التلاعبيّة.