الشواهد المشبوهة: حين يصبح التعليم بوابة للنفوذ بدل أن يكون مصنعًا للكفاءات
بقلم: لطيفة بنعاشير
الوطن لا ينهار دفعة واحدة بل يبدأ سقوطه يوم يصبح القانون قابلًا للتفاوض، ويوم تتحول المؤسسات التي أُنشئت لبناء الإنسان إلى أدوات لخدمة المصالح الخاصة.
اليوم، لم يعد السؤال: هل توجد شواهد مشبوهة أو تسجيلات صورية؟ بل أصبح السؤال الأكثر إيلامًا: من يحمي هذه الممارسات إن وجدت؟ ومن يجرؤ على تحويل المدرسة من فضاء للعلم إلى وسيلة للالتفاف على القانون؟
إذا كان طالب بسيط يقضي سنوات من عمره بين المحاضرات والامتحانات ليحصل على شهادة يستحقها، فبأي حق يمكن أن يحصل شخص آخر على الامتياز نفسه دون تكوين حقيقي؟ وإذا كان آلاف الشباب يؤدون واجبهم الوطني وفق القانون، فلماذا تثار بين الفينة والأخرى شبهات حول محاولات استغلال التسجيلات الدراسية أو النفوذ للحصول على وضعية طالب دون دراسة فعلية؟
هذه الأسئلة ليست اتهامًا لأحد، لكنها أسئلة مشروعة تنتظر أجوبة من المؤسسات المختصة.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه دولة المؤسسات ليس مجرد تزوير محتمل أو تسجيل صوري، وإنما استغلال النفوذ إذا ثبت وجوده. لأن النفوذ عندما يتدخل في التعليم، لا يفسد مؤسسة واحدة، بل يهز ثقة المجتمع في العدالة وتكافؤ الفرص.
فهل أصبح بعض المنتخبين أو أصحاب النفوذ يعتقدون أن مواقعهم تخول لهم البحث عن استثناءات؟ وهل يمكن أن تتحول العلاقات السياسية أو الإدارية إلى وسيلة لتجاوز القواعد التي يخضع لها باقي المواطنين؟
وإذا كانت هناك معطيات أو شكايات تتعلق بمحاولات استعمال التسجيلات الدراسية للالتفاف على مقتضيات الخدمة العسكرية، فإن الرأي العام من حقه أن يعرف: هل تم فتح تحقيق؟ وهل تم التحقق من صحة هذه المعطيات؟
الخدمة العسكرية ليست عقوبة، بل واجب وطني حدده القانون. والقاعدة في دولة الحق والقانون هي أن الجميع متساوون أمامه. لذلك، إذا حاول أي شخص استغلال نفوذ أو علاقات للحصول على امتياز لا يتيحه القانون، فإن السؤال لا يتعلق بذلك الشخص وحده، بل أيضًا بمن قد يكون ساعده إن ثبت ذلك.
أين هي الرقابة؟
* من يراقب المؤسسات الخاصة؟
* كيف يتم التأكد من الحضور الفعلي للطلبة؟
* هل توجد آليات لرصد التسجيلات الصورية إن وجدت؟
* وهل يتم التعامل بالجدية نفسها مع الجميع، مهما كانت صفاتهم أو مواقعهم؟
إن أخطر ما يهدد الدولة ليس المواطن الذي يطلب حقه، بل ثقافة الإفلات من المحاسبة إذا وُجدت. فحين يقتنع الناس أن النفوذ قد يكون أقوى من القانون، تتراجع الثقة في المؤسسات.
هذا المقال لا يصدر أحكامًا، ولا يدين أحدًا، لأن الإدانة من اختصاص القضاء وحده. لكنه يدعو إلى تحقيق مستقل وشفاف في كل معطى جدي يتعلق بالشواهد المشبوهة أو التسجيلات الصورية أو أي شبهة لاستغلال النفوذ، حمايةً لمصداقية التعليم، وصونًا للمساواة أمام القانون، وحفاظًا على الثقة في مؤسسات الدولة.
الوطن لا يحتاج إلى صمت يحمي الشبهات، بل إلى مؤسسات تحقق في كل ما يستحق التحقيق، وإلى قانون يطبق على الجميع دون استثناء. فإما أن تكون الدولة قوية بقوة القانون، أو يظل السؤال مطروحًا: هل الامتيازات تُكتسب بالاستحقاق، أم بالنفوذ؟