حين يهاجر الوهم قبل الإنسان
كلما غرق قارب في عرض البحر، سارع الجميع إلى عدّ الضحايا، لكن أحدًا لا يعدّ عدد الأوهام التي دفعتهم إلى ركوبه. فالمأساة لا تبدأ عند الأمواج، بل تبدأ يوم يقتنع شاب بأن مستقبله يوجد على الضفة الأخرى، لا في عقله ولا في علمه ولا في جهده.
لقد تحولت الهجرة السرية في نظر كثير من الشباب إلى أسطورة خلاص، وكأن أوروبا أرضٌ تُوزَّع فيها الثروة على كل من ينجح في عبور البحر. إنها صورة زائفة صنعها تجار البشر، وروّجت لها منصات التواصل الاجتماعي، ورسختها قصص نجاح مبتورة تخفي سنوات المعاناة والعمل المضني. وما لا يقال كثيرًا هو أن الضفة الأخرى لا تفتح أبوابها للأحلام المجردة، بل للكفاءات التي صنعت نفسها بالعلم والخبرة والانضباط.
ليس عيبًا أن يحلم الإنسان بحياة أفضل، فالطموح حق، والهجرة القانونية خيار مشروع. لكن الكارثة أن يتحول الحلم إلى مقامرة، وأن يصبح البحر جامعةً يتوقع البعض أن تمنحه شهادة النجاح. فالدول المتقدمة لم تبنِ ازدهارها بالعواطف، بل بالعلم والإنتاج واحترام القانون. ومن يصل إليها بلا مؤهل، ولا لغة، ولا مهارة، سيكتشف أن أصعب رحلة ليست عبور البحر، بل عبور واقع لا يرحم الضعفاء.
المؤلم أن بعض شبابنا يستثمر كل ما يملك في رحلة مجهولة، بينما يتردد في استثمار جزء بسيط من ذلك الوقت أو المال في تعلم لغة، أو اكتساب حرفة، أو تطوير مهارة قد تفتح له أبوابًا أوسع وأكثر أمانًا. وكأننا أصبحنا نؤمن بأن القارب أسرع من الكتاب، وأن الأمواج أقرب إلى النجاح من مقاعد التكوين.
الهجرة ليست جريمة، لكنها ليست معجزة أيضًا. والبحر ليس جسرًا إلى الثراء، بل قد يكون طريقًا إلى المقابر. أما الحقيقة التي لا يحب كثيرون سماعها، فهي أن المستقبل لا تحدده الجغرافيا وحدها، بل يصنعه الإنسان بعلمه وإرادته. فمن يعجز عن بناء نفسه، لن تبنيه مدينة أخرى، ومن يحمل المعرفة سيجد طريقه، سواء كان هنا أو هناك.
لقد آن الأوان لأن نتوقف عن تمجيد الهجرة السرية، وأن نبدأ بتمجيد العلم والعمل والمهارة. فهذه هي القوارب الحقيقية التي لا تغرق، وهي الجواز الوحيد الذي يفتح أبواب المستقبل بكرامة، لا بالخوف، وبالحياة، لا بالموت.
عبادة عبدالصادق