جريدة إلكترونية مغربية

“أنخيل بيستانيا”.. فنان إسباني في ذاكرة خزف آسفي

عبد الله النملي

 

لم يتعود المغاربة على رؤية التماثيل التي تجسد شخصيات طبعت تاريخ الوطن، لكن وسط بهو قصر بلدية مدينة آسفي، يُوجد تمثال ضخم أبيض، في غاية الجمال والإبداع، نُفذ بدقة تشريحية عالية، يجسد السلطان محمد الخامس، جد الملك محمد السادس، وهو يمتطي صهوة جواد عربي، بلباس مغربي أصيل (السلهام)، يمسك بيده اليسرى لجام الفرس، ويمناه مبسوطة تحيي الجماهير.

ويُعد هذا التمثال، الفريد من نوعه بالمغرب، من أبرز الأعمال النحتية المُذهلة التي أنجزها الفنان الإسباني الراحل “أنخيل بيستانيا Angel Pestaña” سنة 1963. وشارك في هذا العمل عدد من تلامذته المغاربة. ويُروى أن “بيستانيا”، الذي ولد بتاريخ 12/3/1932 بمدريد ووافته المنية بتاريخ 3/10/1999، استقر بآسفي وأحب المدينة وتأثر بأجوائها الفنية وبها أنجب أبناءه الثلاثة، استعان بصور فوتوغرافية دقيقة للملك الراحل محمد الخامس، وبخيول حقيقية في منطقة عبدة كانت تُجلب له ليدرس تشريحها العضلي أثناء الحركة، فجاء الحصان في التمثال ممتلئاً وقوياً، وهو ما يعكس قوة “الخيل العبدي”.

 

رمزية توقيت الإنجاز (1963)

 

يعتبر هذا التمثال اليوم، ليس فقط تحفة فنية، بل وثيقة تاريخية تؤرخ لمرحلة بناء الدولة المغربية الحديثة في مدينة عريقة مثل آسفي. وبما أن التمثال أُنجز بعد سنتين فقط من وفاة الملك محمد الخامس (1961)، فقد كان يُنظر إليه كعمل “تأبيني” و”تخليدي” في آن واحد. اختيار وضعية الملك فوق صهوة الحصان يرمز إلى “الفارس” الذي قاد معركة الاستقلال بنجاح.

 

كان للسلطات المحلية بآسفي دور محوري في هذا العمل، حيث جاء طلب إنجاز التمثال في إطار مشروع وطني لتمجيد ذكرى الملك الراحل محمد الخامس، “أب الاستقلال”. كانت مدينة آسفي، باعتبارها قطباً اقتصادياً وصناعياً مهماً آنذاك (خاصة في مجال الفوسفاط والصيد البحري)، ترغب في ترك بصمة فنية تليق بمكانة الملك في قلوب المغاربة.

 

مزج “بستانيا” بين خلفيته في النحت الكلاسيكي الأوروبي وبين روح الخزف الآسفي الأصيل، حيث جعل التمثال يبدو وكأنه قطعة طينية خرجت للتو من الفرن لكن بحجم عملاق. وتحول هذا النصب، من مجرد عمل فني إلى علامة بصرية مبهرة، وصار مزاراً سياحياً يوثق ذاكرة المدينة الطينية، وواجهة للمغرب “المتجدد”.

 

هذا التمثال ليس مجرد جبس، بل هو رسالة دبلوماسية فنية. فنان إسباني يطوع مهارته الغربية لخدمة رمز مغربي، محترماً أدق التفاصيل، من الفرس والفارس واللجام ثم السلهام، مما جعله قطعة فريدة لا تقدر بثمن في التراث الجمالي لمدينة آسفي.

 

ينتمي التمثال إلى نمط فني عالمي عريق يُعرف بـ “تماثيل الفروسية”. وهي منحوتات فنية تصوّر شخصية (غالباً حاكم أو قائد عسكري) ممتطياً جواداً، وتعد من أصعب وأغلى الأعمال النحتية. تمثال “أنخيل بستانيا” هو نسخة مغربية فريدة من “بروتوكول عالمي” في فن النحت، حيث استبدل البزة العسكرية الغربية بالسلهام، ليخلق نصباً يجمع بين العظمة الكلاسيكية والهوية المغربية الخالصة.

 

هذا النوع من النحت له تقاليد ممتدة منذ العصور الرومانية، وكان يُخصص حصراً للقادة والملوك للدلالة على القوة، السيطرة، وقيادة الأمة. وهناك نماذج عالمية تشبه هذا التمثال من حيث الفلسفة أو التصميم. ففي الثقافات التي تعتز بالخيل (كالمغربية والمنغولية)، لا يُعتبر الحصان مجرد وسيلة نقل، بل هو شريك في الحكم والنصر، لذا يتم إعطاؤه تفاصيل تشريحية تضاهي تفاصيل الفارس.

 

يمثل التمثال بآسفي، قطعة فنية تنتمي لمدرسة النحت الواقعي، وتجربة فنية استثنائية تعكس لحظة تاريخية خاصة (نشوة الاستقلال). ولعل إنجاز تمثال لملك مغربي من طرف فنان إسباني في تلك الحقبة، يحمل دلالات سياسية واجتماعية على رقي الفن كجسر بين الثقافات، وانفتاحاً فنياً في مدينة آسفي لدمج الفنون العالمية بالهوية المغربية عبر مدرسة الخزف.

 

هذا النصب التذكاري لم يكن مجرد تمثال، بل كان تحدياً هندسياً أثبت فيه “بستانيا” مع تلامذته أن مدرسة آسفي قادرة على إنجاز أعمال نصبية (Monumental) وليس فقط أواني صغيرة.

 

مقاييس التمثال (تقديرية)

 

من الصعب تحديد مقاييس التمثال بدقة مليمترية، ولكن بالاعتماد على التناسب الهندسي المعتاد في تماثيل الفروسية الضخمة التي تُعرض في الصالونات الرسمية أو المداخل الكبرى، يمكننا تقدير الأبعاد كالتالي:

 

الارتفاع الكلي (من الأرض إلى أعلى الرأس)

التقدير: يتراوح الارتفاع الإجمالي بين 220 سم إلى 250 سم.

طول التمثال (من مقدمة صدر الجواد إلى المؤخرة)

التقدير: حوالي 180 سم إلى 200 سم.

عرض التمثال

التقدير: يتراوح بين 60 سم إلى 80 سم.

أبعاد القاعدة (الركيزة)

القاعدة البيضاء: طولها حوالي 160 سم وعرضها 50 سم.

القاعدة الداكنة: تبدو أطول وأعرض قليلاً لتوفير الثبات، بتقدير 180 سم طولاً و70 سم عرضاً، وارتفاعها عن الأرض يتراوح بين 30 إلى 40 سم.

التناسب الداخلي (النسبة الذهبية)

ارتفاع الجواد: يبدو أن المسافة من الحوافر إلى ظهر الجواد (حيث يجلس الملك) تعادل تقريباً 150 سم.

ملاحظة فنية: بما أن الفنان صمم هذا التمثال ليوضع داخل فضاء معماري (بهو بلدية آسفي)، فقد روعي فيه ألا يكون بحجم الميادين العملاق، لكيلا يخنق المكان ويظل المشاهد قادراً على رؤية تفاصيل السلهام واللجام من مستوى النظر العادي.

 

كيف استطاع التعامل مع الوزن والمواد الإنشائية وجعل هذا الحجم الضخم متماسكاً؟

 

استغرق إنجاز التمثال وقتاً وجهداً كبيرين. وتطلب دقة في التوازن وفهم التشريح (الإنساني والحيواني)، ومهارة في التحكم في الكتلة. وقد أكد شهود عيان أنهم تابعوا هذه المرحلة، ولاحظوا تكرار المحاولات حتى الوصول إلى الشكل النهائي. وهناك قصة يتداولها قدماء الحرفيين في آسفي، وهي أن “بيستانيا” واجهته مشكلة في “توازن الثقل” (توازن الحصان على قوائمه). قيل إنه قضى ليالي كاملة داخل المدرسة يدرس التشريح حتى لا ينهار. وكان صارماً جداً، فإذا وجد قطعة غير متوازنة ولو بمليمترات قليلة، كان يستبدلها أمام تلاميذه ليعلمهم أن الفن هو “دقة وهندسة” قبل أن يكون مجرد طين أو جبس.

 

يعتبر تمثال الملك محمد الخامس، نموذجاً فريداً للذكاء الهندسي لإنتاج عمل فني ضخم ومتوازن. استخدام الفنان الجبس، القصب، والفيلاس (خيوط أو ألياف)، ليس مجرد اختيار لمواد رخيصة، بل هو أسلوب تقني كلاسيكي يُعرف بـ “الهياكل خفيفة الوزن”.

 

المادة المستخدمة والوزن التقديري

بالنظر إلى نعومة السطح وبياضه الناصع، هناك احتمال للمادة:

 

الجبس عالي الجودة: وهو الاحتمال الأكبر للتماثيل التي توضع داخل الردهات الإدارية. في هذه الحالة، يكون التمثال مفرغاً من الداخل ومدعماً بهيكل غير قابل للصدأ أو تسرب المياه، ويتراوح وزنه بين 300 إلى 400 كيلوغرام.

توزيع الأحمال (الهندسة الإنشائية)

نقاط الارتكاز: بما أن الجواد يقف على قوائمه الأربع، فإن الوزن يتوزع بالتساوي. قوائم الحصان في النحت تعمل كـ “أعمدة” تحمل وزن جسم الحصان والفارس والسلهام.

دعامة السلهام: ينسدل السلهام من الخلف ليقترب من القوائم الخلفية، فنياً، هذا يملأ الفراغ ويخلق كتلة واحدة متصلة تزيد من ثبات الجزء الخلفي للتمثال وتمنعه من الميلان للأمام.

لماذا الجبس عالي الجودة؟

 

النقاء العالي واللون “الثلجي”

الجبس معروف في المغرب بنقائه الشديد وبياضه الناصع.

 

الأثر الفني: هذا البياض سمح بالحصول على منتوج يشبه رخام “كارارا” الإيطالي. عندما تم صقل الطبقة النهائية، أعطت انعكاسًا للضوء يبرز تفاصيل “السلهام” وثناياه دون الحاجة لطلاء كثيف قد يخفي معالم النحت الدقيقة.

التفصيل الهندسي: في نحت “صهوة الجواد” وأرجل الفرس، احتاج الفنان لمادة لا تجف بسرعة فائقة ليتسنى له تشكيل العضلات والعروق بدقة، وفي نفس الوقت يجب أن تكون قوية بما يكفي لتتماسك مع “الفيلاس” والقصب. الجبس أعطى “ليونة” عالية أثناء التشكيل اليدوي، مما مكنه من نحت ملامح الوجه واللجام بدقة متناهية.

مقاومة التصدع

من أكبر مشاكل الجبس العادي هو “الانكماش” الذي يؤدي لشروخ بعد الجفاف.

 

الربط مع الفيلاس: بما أن التمثال مبني على هيكل من القصب والفيلاس، فإن الجبس الرفيع يتميز بخاصية “التمدد الطفيف” عند الجفاف، مما يجعله يتماسك بقوة شديدة حول ألياف الفيلاس والقصب، حيث تبدو الأسطح وكأنها قطعة واحدة صبت في قالب، بينما هي في الحقيقة مبنية يدوياً طبقة فوق طبقة، مما يخلق كتلة صلبة جداً تقاوم الشروخ المجهرية التي قد تنتج عن تغيرات الحرارة.

4. التناغم مع البيئة المحلية

“بيستانيا” فنان استوطن آسفي، وأدرك أن المواد التي يستخدمها “المعلمين” المغاربة في النقش على الجبس هي الأنسب لمناخ المدينة. الجبس الرفيع أثبت قدرة عالية على مقاومة الرطوبة العالية المرتبطة بقرب المدينة من المحيط، مما حافظ على التمثال لعقود دون تآكل.

 

القصب.. الهيكل العظمي الذكي

 

بما أن الجبس مادة ثقيلة وسريعة الكسر، كان لزاماً وجود هيكل داعم. استخدم “بيستانيا” القصب كـ “هيكل عظمي ذكي”، و “عمود فقري” وأضلاع داخلية. القصب يتميز بمرونة عالية وقدرة على الانحناء دون كسر، وهو مثالي لتشكيل انحناءة رقبة الفرس وقوائمه. يتم ربط حزم القصب ببعضها لتشكيل “الجذع” الأساسي للفارس والفرس. فهو ليس مجرد حشو داخلي، بل هو المادة التي منحت التمثال مرونته وقدرته على الصمود.

 

التحليل الهندسي الدقيق لأهمية القصب في الأجزاء الحيوية:

 

في الساقين (الأعمدة الحاملة)

تعتبر الساقان أخطر نقطة هندسية في تمثال الفروسية، وهنا يلعب القصب دور “قضبان التسليح”:

 

لم يضع “بيستانيا” عوداً واحداً، بل استخدم حزماً من القصب. هذا التجميع يخلق قوة عالية، فإذا تعرضت الساق لضغط، فإن ألياف القصب الداخلية تمتص الضغط وتمنع الجبس من الانكسار.

الارتباط بالقاعدة: تنغرس هذه الحزم من القصب داخل القاعدة الجبسية، مما يحول الساق من قطعة نحتية إلى “عمود إنشائي” مثبت في الأساسات.

في منطقة البطن (تخفيف الوزن)

البطن هي أكبر كتلة في التمثال، وإذا كانت مصنوعة من الجبس، فسيكون وزنها أطناناً، مما سيؤدي لتحطم الساقين.

 

الهيكل القفصي: قام “بيستانيا” ببناء ما يشبه “القفص الصدري” من القصب المنحني. وضع القصب بشكل عرضي وطولي ليشكل تجويفاً كبيراً.

التفريغ الهندسي: بفضل القصب، ظل قلب التمثال مجوفاً وفارغاً، بينما حمل القصب طبقات الجبس والفيلاس الخارجية فقط. هذا التوازن بين “الضخامة البصرية” و”الخفة الهندسية” هو ما يحافظ على ثبات التمثال.

في جسم الفارس (الربط والاتزان)

الفارس يمثل ثقلاً علوياً، والقصب هو من يحافظ على انتصابه:

 

العمود الفقري: يمتد هيكل من القصب الغليظ من داخل جسم الفرس صعوداً إلى رأس الفارس. هذا الهيكل يعمل كـ “عمود فقري” مستمر.

دعامة السلهام: ثنيات الرداء المائلة التي تراها منسدلة مدعومة داخلياً بالفيلاس، مما يسمح للجبس بأن يأخذ مساحات واسعة دون أن ينكسر بفعل وزنه.

بهذه الطريقة، استطاع “بيستانيا” أن يحول القصب (الهيكل المرن) والفيلاس (الأعصاب الرابطة) والجبس (الجسد والجلد) إلى وحدة هندسية متكاملة تقاوم عوامل الزمن والجاذبية.

 

التشكيل والتفاصيل (الفرس والفارس)

 

عند بناء الهيكل، تأتي مرحلة “اللحم” أو الكساء الخارجي:

 

اللجام: نُحت بدقة عالية تظهر سيور الجلد وتفاصيل “الشكيمة”، مع إضافة الزخارف التقليدية (القلائد) المتدلية من الرقبة. كل قطعة زينة تبدو وكأنها منحوتة على حدة. وهي تفاصيل تضفي واقعية كبيرة على العدة المغربية التقليدية للفرس. مما يظهر الصبر والمهارة اليدوية العالية.

العروق والعضلات: تبرز على رقبة الجواد وسيقانه تفاصيل دقيقة توحي بوجود عروق تحت الجلد، وهو أسلوب متبع في المدارس النحتية الكلاسيكية لإضفاء “نبض الحياة” على المادة الجامدة. ويظهر النحت تشريحاً عضلياً متقناً لجسد الحصان، خاصة عند الصدر والأكتاف والأفخاذ، مما يعكس القوة والمنعة.

يظهر الفرس بروح “خيول التبوريدة” المغربية الأصيلة، العينان جاحظتان قليلاً والأذنان موجهتان للأمام، مما يوحي باليقظة والشموخ.

في الأطراف الدقيقة مثل ملامح الوجه وأذني الفرس، يتم استخدام جبس نقي عالي الجودة (بدون ألياف) للسماح بالصنفرة والنحت الدقيق.

الفارس والملامح: يظهر الوجه بنظرة هادئة وواثقة، ميزت ملامح الملك محمد الخامس، مما يجعل الشخصية ذات وقار وهيبة ملكية وقابلة للتعرف عليها فوراً.

رداء الفارس (السلهام): نجح “بستانيا” في محاكاة ثقل القماش وتدليه الطبيعي فوق ظهر الجواد، حي يلاحظ انسيابية الثنيات في لباس الملك. هندسياً، تم استخدام مساحات من الفيلاس المبلل بالجبس وتشكيله وهو لا يزال رطباً ليعطي إيحاء القماش المنسدل. هذه التقنية تعطي قوة إنشائية كبيرة للتمثال رغم رقة مظهرها.

الربط الهندسي بين الفارس والفرس

 

لجعل الفارس يبدو جزءاً لا يتجزأ من الجواد، قام بدمج هيكل القصب الخاص بجذع الفارس مع هيكل ظهر الفرس قبل صب الطبقات النهائية من الجبس. هذا التداخل يمنع حدوث انفصال أو شقوق في منطقة “السرج” نتيجة تمدد أو تقلص المواد.

 

النتيجة هي تمثال يجمع بين خفة الوزن (بسبب القصب والفراغات الداخلية)، وبين الصلابة المظهرية التي تليق بعظمة الشخصية المصورة.

 

الجوانب الهندسية والجمالية الدقيقة

 

هناك “ذكاء إنشائي” في التعامل مع الكتلة والفراغ، خاصة في تمثال بهذا الحجم.

 

تقنية “الطبقات المتدرجة”

“بيستانيا” لم يصب الجبس صباً، بل اعتمده كعملية بناء طبقي:

 

الطبقة النواتية: هي خليط خشن من الجبس والفيلاس الكثيف، وظيفتها تغليف القصب بالكامل لخلق “عظم” اصطناعي صلب.

الطبقة الحجمية: هنا يتم إضافة الجبس المخلوط بالألياف بنسب أقل، وتستخدم لتحديد كتل العضلات (مثل عضلات الصدر في الفرس وبروز الركبتين).

الطبقة القشرية (الجلد): وهي أنعم طبقة، وتتكون من جبس مصفى تماماً، يتم دهنها وصنفرتها للحصول على الملمس “الرخامي” الذي نراه، وهو ما يعطي التمثال هيبته رغم بساطة مواده.

هندسة “التوازن الديناميكي”

توزيع الثقل و”القلب المجوف”: لضمان عدم انهيار التمثال تحت ثقل الجبس، تم تفريغ الأجزاء العلوية (بطن الفرس وصدره وكذلك الفارس)، بحيث تكون عبارة عن قشرة رقيقة من الجبس مدعومة بالفيلاس، بينما تم جعل القوائم صلبة لترسيخ مركز الثقل نحو القاعدة.

التقنية: قام بمد أعواد القصب الغليظة (التي تشكل الهيكل الداخلي للقوائم) إلى مسافة عميقة داخل القاعدة الجبسية الضخمة.

الهدف: عملت هذه الأعواد كـ “أوتاد” تحت أرضية القاعدة، مما جعل التمثال والقاعدة وحدة إنشائية واحدة. هذا يمنع أي حركة أفقية (اهتزاز) قد تؤدي لميلان التمثال.

بهذه الحلول، استطاع “بيستانيا” أن يضمن بقاء التمثال في وضعية “الشموخ” دون أي ميلان لعقود طويلة، محولاً الجبس والقصب من مواد بسيطة إلى هيكل هندسي.

 

الجانب الرمزي والفني. كيف عبّر “بيستانيا” من خلاله عن مرحلة تاريخية فارقة:

 

التباين بين “نعومة الحاكم” و”قوة الجواد”

السلهام واللباس المخزني: تعمد الفنان إعطاء رداء الملك ملمساً ناعماً جداً وانسيابياً، وكأنه قطعة قماش حقيقية (بفضل تقنية صقل الجبس بالماء والصنفرة الناعمة). هذا يعكس الوقار والهدوء الملكي.

عتاد الفرس (السرج واللجام): على النقيض، ستجد أن تفاصيل السرج واللجام والركاب منحوتة ببروز عال لتشكيل الهيكل الأولي للسرج، ثم غطاها بجبس أكثر كثافة، ونحت عليها الزخارف لتبدو وكأنها مطرزة، مما يخلق تبايناً بصرياً يشد العين نحو التفاصيل.

“التناسب الذهبي” في العمل

رغم أن “بيستانيا” استخدم مواداً بسيطة، إلا أنه التزم بقواعد التناسب التشريحي:

 

المنظور: صُمم التمثال ليُنظر إليه من الأسفل (على قاعدة مرتفعة). لذا، جعل حجم الفارس متناسباً بدقة مع حجم الجواد، مع تضخيم طفيف جداً في الجزء العلوي للفارس ليعطي هيبة بصرية عند النظر إليه من زاوية منخفضة.

رأس الملك: تم نحت ملامح الملك بدقة تحاكي صوره التاريخية، مع التركيز على النظرة الثاقبة والوقار. يقال إن “بيستانيا” استغرق وقتاً طويلاً في ضبط قسمات الوجه لضمان مطابقتها للواقع. وسعى في ذلك لتحقيق الهيبة الملكية، لأن الوجه هو مركز التعبير في التمثال، وأي خطأ فيه يُفقد العمل قيمته الرمزية.

ركز الفنان في نحت الوجه على “السمات الهادئة”، مستخدماً أدوات نحت دقيقة جداً، لضمان عدم وجود مسام تشوه الملامح الملكية.

القيمة التاريخية للمواد (الجبس والقصب)

اختيار هذه المواد يعكس فلسفة النحت المتقن التي كانت سائدة في تلك الحقبة لإقامة نصب تذكارية في القاعات الرسمية. القصب والجبس يعيشان لمئات السنين إذا حُفظا بعيداً عن الأمطار، وهو ما جعل التمثال يصمد كشاهد عيان على تقدير المدينة للسلطان محمد الخامس.

 

إبراز “اليد المرفوعة”

اليد اليمنى للملك تظهر مرفوعة بوضعية السلام والتحية أو إشارة هادئة. وهي حركة مدروسة تكسر جمود الوقوف، وتضيف بُعداً تفاعلياً مع المشاهد. نحت الأصابع يكشف دقة متناهية في محاكاة التشريح البشري. مما يعكس احتراماً كبيراً للتفاصيل الثقافية المغربية. هذه الوضعية تعكس التواصل بين الملك وشعبه، وتعبر عن “القائد الأبوي” الهادئ والواثق.

الربط البصري بين الفارس والجواد

لكيلا يبدو الفارس منفصلاً عن حصانه، استخدم “بيستانيا” الرداء كـ “جسر”:

 

جعل أطراف السلهام تتداخل مع سرج الفرس وجسده، مما خلق كتلة بصرية موحدة. هندسياً، هذا زاد من مساحة الارتكاز للفارس فوق الجواد، وفنياً، رمز إلى التلاحم والسيطرة السلسة بين الفارس ومركوبه.

كان “بيستانيا” يدرك أن تمثال محمد الخامس في مدينة آسفي ليس مجرد عمل فني، بل هو توثيق لمرحلة التحرير، لذا صبّ كل خبرته في إظهار الملك في أبهى صور الوقار المغربي الأصيل، مستخدماً الجبس ليحاكي بياض ونقاء الروح الوطنية.

 

الرمزية الوطنية والدقة التشريحية

 

صُمم التمثال ليكون نصباً تذكارياً يجمع بين الهيبة السلطانية والرمزية الوطنية. كان “أنخيل بيستانيا” مدركاً جداً لهذه الحساسية الثقافية، لذا حرص على أن يظهر الملك في أبهى صورة تعكس هذا المزيج بين “القائد العسكري” (بوقفة الفارس) و”الأب الروحي” (باللباس الأبيض الوقور).

 

الهيئة والوضعية (الفروسية)

 

وضعية الملك: يجلس الملك في وضعية استقامة تعبر عن الثبات والشموخ، مرتدياً اللباس التقليدي المغربي الأصيل (السلهام)، مع وضع اليدين بوضعية توحي بالسيطرة الهادئة على لجام الفرس.

وضعية الجواد: اختار الفنان وضعية “السكون المتأهب”، حيث تستقر القوائم الأربع على القاعدة، لكن توزيع الثقل يوحي بأن الجواد مستعد للحركة في أي لحظة. (وهي سمة كلاسيكية في تماثيل القادة للدلالة على القوة والحيوية).

الدلالات العميقة

 

اختيار نحت الملك محمد الخامس وهو يمتطي صهوة جواد بالسلهام المخزني، وباللون الأبيض تحديداً، لم يكن مجرد اختيار فني جمالي، بل هو استحضار لرموز ضاربة في العمق التاريخي والسياسي والديني للمغرب.

 

دلالة ركوب الحصان (تمثال الفروسية)

رمزية “السلطان المجاهد”: في البروتوكول الملكي المغربي، يرتبط الحصان بظهور الملك في المناسبات الكبرى (مثل حفل الولاء). تصوير الملك فوق الحصان يعيد للأذهان صورة “السلطان المجاهد” الذي يقود شعبه، وهي صورة استعادها المغاربة بقوة عند عودة الملك محمد الخامس من المنفى.

الشرعية والتمكين: ركوب الخيل في الثقافة العربية والأمازيغية هو رمز للعز والأنفة، والقدرة على القيادة. الحصان هنا ليس وسيلة نقل، بل هو “منصة” ترفع الملك لتجعل نظره يمتد للأفق، مما يرمز لاستشراف مستقبل المغرب المستقل.

الارتباط بالأصل: الحصان العربي الأصيل يرمز للهوية المغربية الأصيلة، وربط الملك به في التمثال هو ربط لشرعية الحكم بالجذور التاريخية للمملكة.

دلالة السلهام واللون الأبيض (الحصان واللباس)

السلهام المغربي من أبرز رموز التراث والأصالة المغربية، حتى عدّ الهندام ناقصاً من دونه، خصوصاً خلال الأعياد والحفلات الدينية والمراسيم المخزنية. وتقول المأثورات الشعبية للدلالة على عراقة هذا اللباس: “ورثنا عن الجدود حلق الرؤوس وأكل الكسكوس وارتداء البرنوس”.

 

السلهام يحمل دلالات عميقة تتجاوز كونه مجرد لباس للدفء، تاريخياً، كان السلهام، خاصة “السلهام المخزني”، لباس السلاطين، الحكام، الفقهاء، والشخصيات الرفيعة. ارتداؤه يضفي وقاراً وهيبة، ويعكس الأناقة في المناسبات الرسمية والدينية.

 

بياض التمثال يجعل الناظر يركز على الرمز أكثر من المادة. واللون الأبيض في الثقافة المغربية الرسمية والشعبية هو “سيد الألوان”، وله دلالات مقدسة وسياسية:

 

دلالة الصفاء والسلام: اللون الأبيض هو رمز للسلام (الخروج من سنوات الرصاص والاستعمار إلى عهد الحرية). اختيار اللون الأبيض للملك ولباسه يعبر عن طهارة اليد والسريرة، وعن “عهد جديد” نقي.

الرمزية الدينية (البركة): الأبيض هو لون اللباس المفضل في الإسلام، وبما أن الملك هو “أمير المؤمنين”، فإن اللباس الأبيض (السلهام) يعزز الهوية الدينية والشرعية الروحية للملك.

التفاؤل واليُمن: في المأثور المغربي، “العود الأبيض” (الحصان الأبيض) هو “مركوب الخير” أو “مركوب السعد”. ركوب الملك لحصان أبيض يعني في المخيال الشعبي أن عهده عهد بركة وخير ويُمن على البلاد.

الوضوح والظهور: من الناحية الفنية، اللون الأبيض يجعل التمثال نقطة ارتكاز بصرية قوية في الساحة، حيث يعكس الضوء ويبرز تفاصيل النحت، مما يمنح التمثال هالة من “النورانية” والمهابة.

التلاحم بين الرمزين

عندما يجتمع الحصان (رمز القوة والسيادة) مع اللون الأبيض (رمز السلم والشرعية الروحية)، فإن التمثال يرسل رسالة مفادها أن الملك محمد الخامس هو “قائد حكيم” استطاع انتزاع الاستقلال بالقوة والشرعية، لكنه يقود بلاده نحو السلام والبناء بقلب أبيض ونية صادقة.

 

إنجاز التمثال بآسفي، لم يكن مجرد عمل فني عادي، بل كان تحدياً تقنياً لضمان صموده أمام العوامل المناخية للمدينة الساحلية. لنتخيل معاً كمية الصبر والجهد في تلك الرحلة الإبداعية التي خاضها “أنخيل بستانيا” داخل محترفه بآسفي لتحويل كتلة صماء إلى هذا النصب الشامخ. فالعمل على تمثال بهذا الحجم والتفاصيل التقنية المذهلة التي مر بها، يمثل توازناً مثالياً بين “فن النحت” و”علم الميكانيكا”.

 

لقد استطاع الفنان أن يجعل عشرات الكيلوجرامات من المادة تبدو خفيفة وانسيابية كالحرير بفضل براعته في النحت. “أنخيل بستانيا” لم يكن ينحت شكلاً فقط، بل كان “يبني” رمزاً وطنياً بمدينة آسفي، مستخدماً خبرته في النحت ليقدم لنا قطعة فنية تعيش لعقود.

 

لماذا وضع التمثال داخل بهو قصر بلدية آسفي وليس في ساحة عامة؟

 

وُضع التمثال في البداية داخل فضاء مدرسة الخزف، ثم نقل إلى بهو قصر بلدية آسفي (المبنى التاريخي)، بدلًا من نصبه في ساحة عامة مكشوفة، بناءً على اعتبارات فنية وأمنية دقيقة في ذلك الوقت:

 

الحماية من العوامل المناخية القاسية

تتميز مدينة آسفي بمناخ ساحلي عالي الرطوبة ومشبع بالملوحة. ورغم أن الجبس مادة متينة، إلا أن وضعه في الخارج مباشرة كان سيعرضه لـ:

 

التآكل وتغير الملامح: الرطوبة تسرع من عملية التآكل. والتراكم المستمر للأملاح والرياح قد يؤدي إلى طمس التفاصيل الدقيقة التي نحتها “بيستانيا” في ملامح الوجه واللباس.

الرمزية والهيبة الرسمية

اختيار بهو البلدية لم يكن عشوائياً:

 

المكانة البروتوكولية: قصر البلدية هو “قلب المدينة” الإداري والسياسي، ووضع التمثال في البهو يمنحه هيبة تفرض على الزوار والموظفين نوعاً من الاحترام والتقدير بمجرد دخولهم للمبنى.

الارتباط بالمؤسسة: يعكس وجود التمثال داخل البلدية شرعية الدولة واستمرارية المؤسسة الملكية في رعاية الشأن المحلي.

الحماية من التخريب (الاعتبارات الأمنية)

في الفترة التي نُصب فيها التمثال، كانت هناك رغبة في الحفاظ على سلامة العمل الفني من أي اعتداءات محتملة أو عبث غير مقصود:

 

داخل البهو، يكون التمثال تحت حراسة ومراقبة مستمرة على مدار الساعة.

التكامل المعماري

بهو بلدية آسفي يتميز بهندسة معمارية فريدة، تزاوج بين النمط المغربي والأوروبي، حيث تتوسط البناية مساحة واسعة تسمح بالتهوية وتوفير إضاءة قوية. وقد وجد المسؤولون أن وضع التمثال في المبنى تحت الإضاءة يبرز جمالية التمثال وظلال النحت بشكل أفضل بكثير من إضاءة الشمس المباشرة والحارقة.

 

فنان مبدع في ذاكرة خزف آسفي

 

من اللافت للنظر مدى الغموض الحاف بسيرة الفنان والنحاث الإسباني. وتطغى الندرة على آثاره وأعماله الفنية والخزفية، وكأن الرجل عاش قبل قرون وليس قبل سنوات دانية من يومنا هذا. وهذا في ذات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.