جريدة إلكترونية مغربية

“لَاكُونْتِينْ” المدرسية: حكايات من ذاكرة جيل الستينيات والسبعينيات.

حين نستعيد ذاكرة المدرسة العمومية الابتدائية خلال الستينيات والسبعينيات، لا نستحضر الدروس والسبورات والأقسام وحدها، بل تستوقفنا أيضًا “لَاكُونْتِينْ” التي كانت جزءًا من الحياة المدرسية اليومية، وفضاءً تتقاطع فيه الحاجة بالتربية، والصرامة بالحكايات التي بقيت عالقة في ذاكرة التلاميذ. فقد كان الإطعام المدرسي آنذاك خدمة منظمة، لها أسس في الطبخ والتدبير، وتخضع لبرنامج تحدده الإدارة، ويستفيد منها عدد كبير من التلاميذ، مع إعطاء الأولوية للأيتام والفقراء، وللأطفال الذين تبعد مساكنهم عن المدرسة ولا تسمح لهم المسافة بالعودة إلى بيوتهم وقت الغداء.

 

وكانت “لَاكُونْتِينْ” بالنسبة إلى كثير من هؤلاء الأطفال أكثر من وجبة يتناولونها داخل المؤسسة، فقد كانت تتيح لهم البقاء في المدرسة والاستفادة من طعام لم يكن متوفرًا دائمًا بالقدر نفسه في بيوتهم. وكانت الوجبات تُعد وفق ما هو متوفر وما تسمح به المواد المخصصة للإطعام المدرسي، فيما كانت عملية توزيعها تتم في إطار من التنظيم والصرامة، تتولى الإشراف عليها طباخة لم تكن تتسامح كثيرًا مع بقاء الطعام في الأطباق أو تبذيره.

 

وفي مدرسة “الرشاد” ببركان، ارتبط يوم الخميس في ذاكرة عدد من التلاميذ بوجبة كانت لها مكانة خاصة. ففي ذلك اليوم كان يُوزع السردين المصبر، يُوضع فوق الخبز ليقدم للتلاميذ، فكان الإقبال عليه كبيرًا إلى درجة أن الكمية لم تكن تكفي الجميع في بعض الأحيان. وكان التلاميذ ينتظرون هذا اليوم بشيء من الترقب، لأن الوجبة كانت مختلفة عن بعض الأطباق التي لم تكن تحظى بالإقبال نفسه.

 

أما الحليب، فكان حاضرًا في الصباح، حيث ينتظم التلاميذ في طوابير للحصول على كأس منه. غير أن الحليب المجفف لم يكن محبوبًا لدى الجميع، بل كان بعض الأطفال يتناولونه على مضض، ويدفعهم إلى ذلك، في أحيان كثيرة، الخوف من الطباخة التي كانت حريصة على ألا تبقى الكمية الموزعة دون استهلاك. ولذلك كانت بعض الحيل تظهر بين التلاميذ للتخلص مما لا يرغبون في تناوله، فمنهم من كان يبتلع الحليب رغم عدم استساغته، ومنهم من كان يبحث عن شيء يفرغه فيه بعيدًا عن الأنظار، تفاديًا لما قد يتعرض له من تعنيف.

 

ولم تكن “الشوربة” تحظى بدورها بمحبة جميع التلاميذ. فقد كان بعضهم ينظر إليها بوصفها طبقًا ثقيلًا يحاول التخلص منه بأي وسيلة، ووصل الأمر بأحد المستفيدين، من شدة خوفه من الطباخة، إلى أن كان يسكب الشوربة في محفظته بدل تناولها. أما من تناول طبقًا منها ثم وجد نفسه أمام طبق آخر، فقد كان يعرف أن الأمر لم ينته بعد، إذ كانت الطباخة، في حرصها على ألا يذهب الطعام هدرًا، قد تزيد له من الكمية.

 

ولم تكن هذه الصرامة منفصلة عن ثقافة تلك المرحلة التي كانت تنظر إلى الطعام باعتباره نعمة لا ينبغي تبذيرها. فالطباخة لم تكن تريد أن ترى ما أعدته يذهب إلى القمامة، وكانت تحاول، بالتنسيق مع الإدارة، أن تجعل الوجبات أكثر قبولًا لدى التلاميذ. ومن الحيل التي كانت تُستعمل في هذا الإطار إدخال بعض المواد المحبوبة لديهم ضمن الأطباق التي لا يقبلون عليها كثيرًا، مثل التمر أو السمك، مع “الشوربة” أو العدس، حتى يصبح الطبق أكثر إغراءً بالنسبة إليهم.

 

وكان العدس في حد ذاته من الأطعمة التي يمكن أن تكون جميلة ولذيذة، غير أن طريقة إعداده والمواد التي كانت تدخل في طبخه لم تكن دائمًا تسمح بالحصول على النتيجة نفسها. وأحيانًا كان لا ينضج جيدًا، فيصبح من الأطباق التي ينفر منها التلاميذ، رغم أن المادة الأساسية نفسها كانت قابلة لأن تكون وجبة محبوبة لو أُعدت في ظروف أفضل.

 

وهكذا كانت “لَاكُونْتِينْ” فضاءً تتجاور فيه أشياء تبدو متناقضة في ذاكرة الأطفال: الجوع والشبع، الإقبال والنفور، الخوف والحيلة، والصرامة والحرص على الطعام. وكان التلميذ يدخل إليها وهو يعرف أن عليه أن يأكل ما يقدم له، لا ما يختاره، ولذلك تعلم، إلى جانب تناول الوجبة، بعض الحيل التي تساعده على تجاوز الأطباق التي لا يستسيغها.

 

وكانت تلك المرحلة تعرف أيضًا وصول مساعدات غذائية إلى المدارس، فكانت مواد مثل التمر “السعودي”، والزيت والحليب “الكندي”، وغيرها من المواد، تصل إلى المؤسسات التعليمية وتدخل ضمن منظومة الإطعام المدرسي. وبالنسبة إلى جيل تلك الفترة، لم تكن أسماء هذه المواد مجرد أسماء عابرة، بل ارتبطت بأيام الدراسة، وبالطوابير، وبالأطباق، وبالوجبات التي كان ينتظرها البعض ويتجنبها البعض الآخر.

 

ولأن المدرسة كانت تستقبل أطفالًا من أحياء ودواوير مختلفة، فقد كانت “لَاكُونْتِينْ” تجمع تلاميذ لا يجمعهم القسم وحده. هناك، حول الطعام وفي الطوابير، كانت تتشكل مواقف وصداقات ومشاكسات، وتُروى النكات والحكايات، وتظهر المنافسة حول بعض الوجبات التي تحظى بإقبال الجميع. وكان يوم الخميس، بما يحمله من وجبة السردين والخبز في مدرسة الرشاد، مثالًا على كيف يمكن لوجبة مدرسية بسيطة أن تتحول إلى موعد ينتظره التلاميذ ويتحدثون عنه.

 

ولم تكن تجربة “لَاكُونْتِينْ” واحدة عند الجميع، فلكل تلميذ حكايته الخاصة معها. هناك من يتذكرها بوصفها فرصة للحصول على وجبة لم يكن يحصل عليها بسهولة في البيت، وهناك من لا يزال يتذكر طعم الحليب المجفف أو الشوربة أو العدس، وهناك من تختزن ذاكرته صورة الطوابير، وصوت الأواني، وصرامة الطباخة، ومحاولات التخلص من طبق لم يكن يرغب في تناوله. وبين هذه الذكريات جميعًا تتشكل صورة مدرسة لم تكن منفصلة عن ظروف المجتمع وإمكاناته في تلك المرحلة.

 

لقد عاش جيل الستينيات والسبعينيات “لَاكُونْتِينْ” بحلوها ومرها، وبقيت تفاصيلها الصغيرة حاضرة في الذاكرة رغم مرور عقود. ولعل قيمة استحضارها اليوم لا تكمن في الحكم على تلك التجربة بمعايير الحاضر، وإنما في فتح باب الذاكرة أمام من عاشوها، لأن ما نعرفه عنها لا يوجد فقط في الوثائق والسجلات، بل في القصص التي يحملها أولئك الذين جلسوا إلى موائدها، وانتظموا في طوابيرها، وتذوقوا أطعمتها، وتحايلوا على ما لم يستسيغوه.

 

ومن هنا، فإن استحضار “لَاكُونْتِينْ” المدرسية في الستينيات والسبعينيات هو دعوة إلى أبناء ذلك الجيل للعودة إلى ذاكرتهم، والنبش فيها عن أسماء الطباخات والطباخين، وأصناف الوجبات، وطرق إعدادها وتوزيعها، والمواد التي كانت تصل إلى المدارس، والطرائف والمواقف التي رافقت تلك المرحلة. فربما يحمل كل واحد منهم حكاية صغيرة تكمل صورة تجربة مدرسية عاشها جيل بأكمله، قبل أن تتغير المدرسة وتتغير معها طريقة الإطعام وظروف الحياة.

 

ولعل أجمل ما يمكن أن تفعله الذاكرة هو أن تستعيد تلك التفاصيل كما عاشها أصحابها، بحلوها ومرها، لأن “لَاكُونْتِينْ” لم تكن مجرد وجبة تقدم للتلميذ، بل كانت جزءًا من يومه المدرسي، ومن طفولته، ومن ذاكرة جيل ما زال يحتفظ، رغم مرور السنوات، بطعم تلك الأيام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.