جريدة إلكترونية مغربية

الزاوية الوزانية بآسفي.. ذاكرة روحية في مواجهة الإهمال والنسيان

معالم دينية وتاريخية كانت يوماً جزءاً من نبض المدينة العتيقة، فأين هي اليوم من برامج الترميم والتثمين وحماية الذاكرة المحلية؟

تختزن المدينة العتيقة بآسفي رصيداً تاريخياً وحضارياً غنياً، تتداخل فيه الأسوار والأبواب العتيقة مع المساجد والأضرحة والزوايا التي شكلت، عبر قرون، جزءاً من هويتها الروحية والاجتماعية. وتبرز الزاوية الوزانية، المعروفة بزاوية مولاي الطيب، باعتبارها إحدى هذه المعالم التي تستحق إعادة تسليط الضوء عليها.

وترتبط الزاوية بتاريخ الطريقة الوزانية التي نشأت بمدينة وزان خلال القرن السابع عشر الميلادي، قبل أن يمتد إشعاعها إلى مناطق متعددة من المغرب. وتشير اللوحة التعريفية المثبتة بالموقع إلى أن تأسيس الزاوية يعود إلى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، وهو تاريخ يستحق مزيداً من التدقيق بالرجوع إلى الوثائق والمراجع التاريخية المتخصصة.

لكن الحديث عن الزاوية الوزانية يقودنا إلى سؤال أعمق وأكثر إلحاحاً: ما الذي حلّ بالزوايا التاريخية بمدينة آسفي؟

المؤسف أن عدداً من الزوايا والمعالم الدينية بالمدينة أصبح اليوم يعاني، في نظر العديد من المهتمين بالتراث المحلي، من الإهمال وضعف التعريف بقيمته التاريخية، حتى بات بعضها بعيداً عن الذاكرة الجماعية والحضور الثقافي الذي يستحقه. وكأن هذه المؤسسات التي كانت جزءاً من الحياة الروحية والاجتماعية للمدينة أصبحت، مع مرور الزمن، مجرد أسماء وآثار من الماضي، بعدما تراجع الاهتمام بها وبما تختزنه من ذاكرة.

لقد كانت الزوايا، في مراحل مختلفة من تاريخ المغرب، فضاءات للذكر والتربية الروحية والتعليم الديني والتواصل الاجتماعي. ولذلك، فإن تراجع العناية بها لا يمثل خسارة مادية فحسب، بل يطرح أيضاً إشكالاً يتعلق بصون الذاكرة المحلية ونقلها إلى الأجيال الجديدة.

فهل يعقل أن تتحول زوايا آسفي التاريخية إلى صفحات مطوية من تاريخ المدينة، وأن تصبح في خبر كان، دون أن تحظى بما تستحقه من توثيق وصيانة وتثمين؟

إن المطلوب اليوم هو إطلاق مبادرة جادة لجرد الزوايا التاريخية بالمدينة، وتوثيق تاريخها ومراحل تطورها، وجمع الصور والوثائق والشهادات المرتبطة بها، مع وضع برامج عملية لصيانة المعالم التي تستدعي التدخل، وإعادة الاعتبار إليها ضمن المسارات الثقافية والسياحية للمدينة العتيقة.

إن حماية تراث آسفي ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة تستدعي انخراط المؤسسات المعنية والباحثين والفاعلين الثقافيين والمجتمع المدني، حتى لا يظل تاريخ المدينة حبيس الجدران القديمة أو عرضة للنسيان.

آسفي لا تحتاج فقط إلى ترميم حجارتها وأسوارها، بل تحتاج أيضاً إلى إنقاذ ذاكرتها. فالزوايا التي صنعت جانباً من تاريخها الروحي والاجتماعي تستحق أن تعود إلى الواجهة، لا أن تبقى في طي النسيان.

عبد الجليل تميجة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.