رحيل نعيمة التريكي قبل يوم واحد على تكريم اخيها الراحل حامد التريكي
منير الشرقي
اليوم، رحلت نعيمة التريكي… وكأن القدر شاء أن يختصر المسافة بين قلبين جمعتهما الحياة، ولم تستطع الأيام أن تفصل بينهما طويلاً. مائة يوم فقط تفصل رحيلها عن رحيل رفيق دربها، الأستاذ حميد التريكي، وكأن الغياب، في قسوته الغامضة، أبى إلا أن يستكمل حكاية عمر لم يكن مجرد تعاقب لسنوات، بل كان شراكة في المعنى، واقتساماً لتفاصيل الحياة، ومرافقة صامتة لأحلامها وانكساراتها.

لم تكن نعيمة التريكي مجرد امرأة عاشت إلى جوار رجل ترك بصمته في الذاكرة الثقافية والفكرية؛ كانت جزءاً من حكايته الإنسانية، من ذلك الجانب الذي لا تلتقطه الصور، ولا تسجله السير، ولا تمنحه الذاكرة العامة دائماً ما يستحق من الاعتراف.
ولعل أبلغ ما يمكن أن يقال في حق نعيمة التريكي، أنها كانت من أولئك الذين يصنعون حضورهم بعيداً عن الأضواء، ويتركون أثرهم في التفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه إليها العابرون. ففي حياة الرجال الذين يحملون همّ الفكر والثقافة والانشغال بالشأن العام، ثمة حيوات أخرى موازية، تنبض في صمت، وتمنح الرحلة شيئاً من توازنها وطمأنينتها؛ حيوات تصنعها نساء أدركن أن المحبة ليست دائماً كلاماً يقال، بل موقف يُعاش، ووفاء يتجدد، وصبر يرافق تقلبات العمر.

لقد كان الأستاذ حميد التريكي، بما مثّله من قيمة فكرية وثقافية وإنسانية، حاضراً في ذاكرة محبيه وأصدقائه، وفي وجدان مدينة آسفي التي أحبها وانشغل بتاريخها وذاكرتها. لكن خلف هذا الحضور كانت هناك حكاية إنسانية أكثر حميمية، حكاية امرأة تقاسمت معه رحلة الحياة، ورافقت تفاصيلها، واحتفظت في قلبها بما لا تستطيع الكلمات أن تحيط به. ولعل رحيلها اليوم، بعد مائة يوم فقط من رحيله، يجعلنا نستحضر تلك الرابطة في بعدها الأعمق؛ حين تتحول العشرة الطويلة إلى ذاكرة مشتركة، ويغدو الغياب الثاني صدى للغياب الأول.
إن مائة يوم ليست زمناً طويلاً في حساب العمر، لكنها قد تكون دهراً في حساب الفقد. مائة يوم من الفراغ الذي خلّفه رحيل الرفيق، ومن محاولة القلب أن يتكيف مع مقعد صار خالياً، وصوت لم يعد يملأ البيت، وتفاصيل يومية فقدت شيئاً من معناها. ثم يأتي الرحيل الآخر، كأن الحياة أغلقت بهدوء صفحة من كتاب مشترك، بعد أن استنفدت الحكاية ما تبقى لها من كلمات…
رحم الله نعيمة التريكي وأدام عليها سكينة الأبدية