جريدة إلكترونية مغربية

كورونا:درس ليس كباقي الدروس

درس ليس كباقي الدروس، ذلك الذي يلقنه لنا مجهري في الطبيعة، لا يعترف بفوارقنا الطبقية، ولا بانتماءاتنا الفكرية والإيدلوجية ولا بهوياتنا الضيقة أو الواسعة، ولا المنفتحة أو المتعصبة، كائن مجهري فيروسي يهاجم دون تمييز بين عبدة الله وعبدة الأبقار والأشجار، ولا بين المؤمن وغير المؤمن، كل الأمكنة وكل الأزمنة عنده سواء، هذا المجهري الذي لا نعرف له شكلا ولا لونا لكننا نعلم علم اليقين انه يضربنا في مقتل، يواجهنا من حيث لا نعلم ولا ندري، يحاصرنا من كل حدب وصوب ونحن حيارى نتحسس جوانحنا، ترتعد فوارسنا من شدة الهول وجسامة الموقف، ليس خوفا من الموت لكن خشية الهزيمة التي تعني بداية نهاية هذا النوع الذي هو الإنسان، فيروس هويته الأصيلة والوحيدة تكمن في سلب الحياة، هكذا فرضت علينا حرب على عدو يدركنا ولا ندركه بل نحمله في دواخلنا يخترقنا في لحظة مودة يستقر فينا ليطلق العنان لشراهته وشراسته، يفرض علينا الحجر والعزل، يقحمنا مكرهين في حرب ليست كباقي الحروب.

حرب شاملة أفقية وعمودية لا تنفع فيها أسلحة الدمار الشامل التي يذخرها من يعتبرون أنفسهم أسيادا لهذا العالم، يتباهون بها ويمارسون ساديتهم على الحفاة والعراة من بني جلدتهم، يحتكرون كل شيء، يفرضون شرائعهم علينا و يتحكمون  في أهل الحل والعقد فينا يحركونهم كقطع الشطرنج، لأنهم يملكون ويذخرون أسلحة يعتقد الجميع أنها قادرة على ردع كل أنواع الأعداء ما ظهر منها وما بطن، إلا أن هذا المجهري الذي انقض علينا من حيث لا ندري أسقط  كل الأقنعة خلال هنيهة من الزمن.

المفارقة هنا أننا أبدعنا بشكل غير مسبوق في التاريخ، في ابتكار أسلحة الدمار الشامل لتذمير الإنسان باعتباره عدوا، الحرب عبرالتاريخ وبمفهومها التقليدي هي مواجهة وقتل جماعي وفردي للإنسان من طرف الإنسان هي خراب العمران، و الدوافع لذلك  متعددة وترتبط في العمق بهوية السيطرة والتحكم في الثروات المادية والخوف من الآخر باعتباره يشكل تهديدا دائما، الأمر الذي يسهل عملية البروباكوندا لإيجاد المبررات الأخلاقية والقيمية لفعله الشنيع في القتل ومصادرة الحياة للآخر الذي يخالفه، كل الحروب تشرعن القتل، والمنتصر ينتشي ويرقص على جثث المنهزم، هكذا هي الحرب، هكذا ننخرط فرادى وجماعات في شرعنة بشاعة القتل. لم نستطع إدراك تلك البشاعة لان كل واحد منا مسكون بهوية قاتلة تعتقد بان هوية الآخر هدفها هو القضاء على باقي الهويات، لكن هذه الحرب الجديدة العدو فيها لا يرتكن إلى تبرير قتله بهوية فكرية أو إيديولوجية أو مرجعية متطرفة إرهابية تستمد شرعيتها من ملة من الملل، أو الرغبة في السيطرة على مصادر الثروة، إن العدو في هذه اللحظة التاريخية قاتل وهويته بكل بساطة هي قتل من يتربع على عرش الكائنات الحية في الطبيعة.

لا أحد قبل الجائحة كان يدرك حجم هشاشة النظام الصحي العالمي، بل حجم هشاشة أقوى الأنظمة السياسية والاقتصادية والإجتماعية، ومدى هشاشة النظام الاقتصادي النيوليبرالي الذي لا يؤمن إلا بمنطق السوق وما يفرضه من علاقات اجتماعية وأخلاقية أفقيا وعموديا، ولا يعترف بمنظومة القيم النبيلة للإنسان، كل شيء مشروع –حتى القتل- تلبية لجشع الأشخاص كانوا ماديين لو معنويين.

نظام يقوم على منظومة قيمية أخلاقية فردانية استهلاكية، تحارب بلا هوادة ما تبقى من القيم الاجتماعية التي تعتبر من منظور النظام الرأسمالي المتوحش تقويض لتطوره و معيق لبسط هيمنته على كافة شعوب العالم، إلا أنه أصيب بشبه انهيار أمام هذا العدو الذي يقاسمه إلى حد ما مفهومه للأخلاق.

وإذا كان الأمر على هذا الشكل بالنسبة لأقوى الأنظمة، فمابالك بأنظمة مازالت تئن تحت وطأة التخلف على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وتعاني بشكل خطير من تدني مستوى الوعي العام لأسباب متعددة أهمها الجهل والأزمة الهيكلية المزمنة لأنظمتها الصحية والتعليمية،ج ناهيك عن الضعف المزمن لأنظمتها الاقتصادية وما ينتج عنها من أوضاع اجتماعية قابلة للإنفجار في أي وقت وحين.

في ظل هذا الوضع يباغتنا هذا الكائن المجهري ليسقط كل الأقنعة وليفرض علينا جميعا العودة للنبش في منظومتنا الاجتماعية والأخلاقية، لعلنا نجد سلاحا اجتماعيا وأخلاقيا قادرا على مواجهة هذا العدو الخفي الذي فرض علينا ولو مؤقتا أن نرصص صفوفنا في خندق واحد وبروح وقيم اجتماعية تمكننا من القضاء على ارتباكنا وحيرتنا ودهشتنا لإنجاح استراتيجيات المواجهة وضمان نجاعتها.

إن واقع المواجهة المباشرة للجائحة يستلزم الانخراط الكلي للدولة والمجتمع في خطة شاملة تقع المسؤولية الكبرى فيها على عاتق المجتمع كأفراد وجماعات لأن العدو يحيي ويتمدد وينتشر عبر ذواتنا وبذواتنا ولا يمكن محاصرته والحد من انتشاره وممارسة قتله العشوائي إلا إذا تشكل الوعي الجماعي والمجتمعي بضرورة الوقاية وهي أقوى أسلحة المواجهة، ولن تتأتى إلا بالحد من المخالطة والاختلاط بمعنى الانضباط التام للإستراتيجية الحجر الصحي الشامل، لان نظامنا الصحي شديد الهشاشة، ولأن قدراتنا الاقتصادية والمادية متواضعة وغير قادرة على رفع التحدي، ولأن الوضع العالمي يفرض علينا موضوعيا أن نواجه مصيرنا كدولة ومجتمع في عزلة شبه تامة، وهو مصير كل دولة ومجتمع، ربما لأول مرة تجد كل دول وشعوب العالم نفسها في خندق واحد وفي حرب موحدة لمواجهة عدو واحد يهدد الجميع دون استثناء، لا يهاب حق الفيتو ولا امتلاك القنبلة النووية واحتكار العلم والتكنولوجية وتكديس الثروات واكتنازها، اليوم لا مفر من المواجهة وأن العامل الحاسم فيها هو تفعيل مبدأ وقيمة التضامن بمفهومه الشامل الفكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والأخلاقي، إنه في طليعة منظومة القيم ذات العمق الاجتماعي التي يجب الإيمان بأهميتها الحيوية في المواجهة والسيطرة على الفيروس.

إننا لا نملك إلا خيار الوحدة والتضامن في ظل هذا الوضع الخطير والغير متحكم فيه، إن العدو كما يقول محمود درويش :

حاصر حصارك لا مفر …

اضرب عدوك لا مفر …

سقطت ذراعك فالتقطها

وسقطت قربك فالتقطني

واضرب عدوك بي

فأنت الآن حرٌّ وحرٌّ وحرٌّ

الحرية هناك هي الحرية هنا والانتصار هنا انتصار هناك، وان كان جزئيا ومؤقتا، لان الانتصار الحقيقي يتجسد في تمكين المجتمع من الأسلحة الحقة والدائمة في الزمان والمكان من خلا نظام صحي وتعليمي قويين لاحتضان مقومات المناعة الذاتية بتملك المعرفة العلمية لان العلم نور قادر على كشف العدو مهما كان حجمه وشكله، نور يمكننا من رصد وضبط تحركاته وبالتالي السيطرة عليه، إن أخطر ما نواجه الآن هو التحاف الموضوعي بين هذا العدو والجهل المركب المتمكن من فئات واسعة من أفراد المجتمع، ولعل ما وقع في بعض المدن لخير دليل على شساعة رقعة الجهل والتي تستغل من طرف البعض لخلق نوع من الارتباك بدوافع ظلامية تعكس بنية ذهنية وثقافية معادية لمنطق العقل والعلم، وبالتالي فإن اخطر شيء في هذه المواجهة هي الجهل المغلف بالدين، معادلة وتركيبة قاتلة ومميتة التعامل معها يتطلب حكمة وحنكة وطول النفس.

إن الحرب معارك وعلى عدة واجهات وجبهات ولا مجال للخطأ، لذا أصبح وضع كل التناقضات والاختلافات في حالة كمون كضرورة موضوعية تفرضها طبيعة المواجهة من اجل صيانة الحياة أولا، مسؤوليات الدولة ومؤسساتها كبيرة وتاريخية في خلق الأجواء السياسية المناسبة لبناء الثقة في المستقبل.

إن إدارة الحرب بنجاعة يقوم أساسا على مبدأ التضامن على كافة المستوىات، حيث يجب التعامل مع هذه القيمة بمبدئية كاملة في الأزمة كما في الرخاء، لأنه لا مفر للجميع من إعادة النظر في طبيعة المقاربات والسياسات العمومية التي أنتجت الهشاشة والضعف في كل شيء، وفي الفعل الميداني على مستوى كل القضايا المجتمعية، هذه الجائحة التي لا تستثني أحدا ولا يمكن الهروب من مواجهتها، وأن الانتصار عليها يتطلب أسلحة غير عادية تختلف تماما عن الأسلحة التقليدية، جنودها لاعلاقة لهم بالثكنات العسكرية وانضباطها وقوانينها الخاصة، كل أفراد المجتمع بدون استثناء يجدون أنفسهم محاربين مرابطين كل من موقعه في خطوط المعركة بأبعادها العالمية والوطنية، من بلاد الصين وفارس إلى روما وبلاد الأنوار، مرورا بمدريد إلى الرباط، وما بعدها في اتجاه الجنوب والشرق الحرب واحدة والعدو واحد والمصير واحد.

الآن وبعد أن توقفت كل الدروس والمحاضرات وأقفلت المدارس والجامعات والمساجد والكنائس والملاعب والمسارح… أبوابها حان الوقت لاستيعاب الدرس الذي يلقنه لنا هذا المجهري القاتل.

يوسف مكوري

الرباط في 23  مارس 2020

يوسف مكوري الكاتب العام الجهوي للاتحاد المغربي للشغل لجهة الرباط سلا تمارة فاعل جمعوي و سياسي وعضو قيادي في الاتحاد المغربي للشغل

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.