محسن أرميل.. حين يرحل أصحاب الخلق الرفيع ويبقى الأثر الطيب شاهدا على مسيرة إنسان
بقلم/عبد الكريم زهير
ترك رحيل محسن أرميل، نجل المدير العام السابق للأمن الوطني بوشعيب أرميل، حزنا عميقا في نفوس أسرته وأصدقائه وكل من عرفه عن قرب، بعدما غادر الحياة تاركا وراءه سيرة إنسانية راقية وذكرا طيبا لا يُشترى بالمال ولا بالمناصب.
ورغم انتمائه إلى أسرة معروفة على الصعيد الوطني، اختار الراحل أن يبني مساره المهني والإنساني بعيدا عن الأضواء، معتمدا على كفاءته واجتهاده وتواضعه، حيث اشتغل إطارا بالخطوط الملكية المغربية، وعُرف وسط زملائه بحسن الخلق والانضباط وروح المسؤولية.
ويستحضر أحد أصدقائه المقربين واقعة ظلت راسخة في ذاكرته، معتبرا أنها تختصر شخصية محسن أرميل وقيمه الوطنية الأصيلة. فخلال إحدى الرحلات داخل إحدى المدن المغربية، لم ينتبه الراحل إلى السرعة القانونية، ليتم توقيفه من طرف شرطي مرور كان يؤدي مهامه بشكل عادي. وبعد اطلاعه على وثائق السيارة، حرر الشرطي مخالفة في حقه وفق ما يقتضيه القانون.
وخلال الحديث بينهما، سأل الشرطي محسن عن صلة القرابة التي تربطه ببوشعيب أرميل، فأجابه بكل بساطة وهدوء: “إنه والدي”. وكان بوشعيب أرميل آنذاك يشغل منصب المدير العام للأمن الوطني.
ويروي صديقه أن الشرطي بدا متفاجئا من الجواب، غير أن محسن لم يحاول استغلال اسم والده أو مكانته الوظيفية، ولم يطلب أي امتياز أو معاملة خاصة، بل أصر على استكمال إجراءات المخالفة بشكل عادي، وأدى الغرامة المستحقة بكل احترام للقانون وللرجل الذي كان يؤدي واجبه المهني.
ويؤكد أصدقاؤه أن هذه الواقعة لم تكن استثناء في سلوك الراحل، بل كانت انعكاسا طبيعيا لتربيته وقناعته الراسخة بأن المواطنة الحقيقية تعني احترام القانون قبل المطالبة بالحقوق، وأن قيمة الإنسان لا تقاس بمنصب والده أو نفوذه، بل بأخلاقه وسلوكه اليومي.
لقد جسد محسن أرميل في ذلك الموقف معنى التواضع والاعتزاز بالانتماء إلى الوطن، وأعطى مثالا راقيا في احترام المؤسسات ورجال الأمن، مؤمنا بأن القانون يسري على الجميع دون تمييز.
ولعل أكبر منجز خلفه الراحل بعد رحيله ليس منصبا أو ثروة، وإنما ذلك الرصيد الكبير من المحبة والاحترام الذي تركه في قلوب الناس. فقد تحولت كلمات النعي ورسائل التعزية إلى شهادات صادقة في حق رجل عرفه الجميع بدماثة الأخلاق ونبل المعاملة والتواضع الجم.
وبرحيل محسن أرميل، يفقد محيطه الأسري والمهني والاجتماعي شخصية كانت تؤمن بأن القيم والأخلاق هي الإرث الحقيقي الذي يبقى بعد الرحيل، فيما ستظل قصصه ومواقفه الإنسانية شاهدة على رجل اختار أن يكون مواطنا صالحا قبل أي شيء آخر.
رحم الله محسن أرميل رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما تركه من أثر طيب وذكر حسن في ميزان حسناته، وألهم أسرته جميل الصبر والسلوان.