جريدة إلكترونية مغربية

الكد والسعاية بمفهومها الحقيقي

العلامة : د عبد الجليل دهنوش

يظن بعضهم أن عمل البيت من طبخ وكنس كد وسعاية!! وهذا استخفاف كبير بعقول علماء سوس العظام الذين أثاروا هذا الموضوع ووضعوا له هذه التسمية الفقهية الدقيقة!
ومعناها لا يدركه أهل المدن بل لا يدركه حتى بعض المشتغلين بالفقه من الشباب ولذلك التبس في أذهانهم فوافقوا أهل الضلالة في بعض مذاهبهم.
اعلم أن المرأة في بوادي سوس تقوم بأعمال تنوء بها العصبة من نساء المدن ولو كان بعضهن لبعض ظهيرا. تقوم المرأة قبل الفجر بإعداد الفطور خبزا وحساء، وبعد الإفطار تقوم بالأعمال الآتية:
– تعتني بما يكون تحت إمرتها من أغنام وماعز وبقر ودجاج و غيرها إطعاما وعناية وحلبا وعلاجا ورعاية. تحلب الأبقار وتصنع منه حليبا ولبنا وزبدة، تبيع الحليب في أغلب الحالات ، وفي كل البوادي هناك شخص يمر يوميا ليأخذ اللبن من النساء في البيوت ليبيعه في السوق. وترعى الدجاج وتبيع ما يفيض عن حاجة الأسرة من بيض، وثمة شخص في القرية يجمع البيض من النساء ويأخذه إلى السوق ليبيعه.
– تحتطب حين ينفذ الحطب. وفعل (تحتطب) لا يدل لوحده على حقيقة ما تقوم به المرأة البدوية العظيمة، فقد يظن أهل المدن أن الأمر يقتصر على جلب الحطب من الفناء الخارجي للبيت !! وليس الأمر كذلك بل هو عمل طويل ومتعب، حيث تخرج المرأة منفردة أو مع جاراتها حاملة فأسها وحبلها وما تحتاجه وتذهب خارج القرية إلى الوادي أو إلى الغابة ، فتقوم بقطع ما تجده من أشجار بفأسها، ثم تقطع ذلك إلى قطع صغيرة ، ثم عندما تكمل عملها تجمع ما احتطبته مرتبا ترتيبا جيدا ثم تحزمه بالحبل وتجعله كومة كبيرة وتحملها على ظهرها إلى البيت ، وقد تقطع في سبيل ذلك أكثر من كيلومترين. كما أن لفظة(كومة ) الحطب لا تدل على الحقيقة، فما تحمله المرأة على ظهرها يجاوز ما تحمله سيارة (هوندا) من أحمال، تفعل كل هذا وهي صابرة بل تجدها تغنّي أحيانا وهي تقوم بذلك. أي صبر كان عندهن، وأي همة كانت وأي روح روحهن، هؤلاء ربيننا وعشنا معهن وعرفنا قدرهن ومقامهن. وجميعهن على خلق ودين ، وكلهن نبع من الحب والحنان والرحمة والرأفة.
– تحضر الحشائش وما في حكمها لإطعام الحيوانات في البيت ، تخرج من الصباح بحثا عنها تجمعها ثم تصنع منها كومة كبيرة جدا فتحملها على ظهرها وتعود بها إلى البيت.
– تقوم برعاية الحيوانات رعاية تامة وتساعدها في الولادة وفي الطعام والتنظيف وفي تنميتها وتنويعها، وقد ترعى الأغنام والماعز وغيرها في القرية أو خارجها.
– تقوم بجلب الماء ، فلم تكن القرى مزودة بأنابيب المياه، فتذهب النساء إلى عين الماء القريبة أو البئر القريب لجلب الماء محمولا على الدواب عند من يملك دابة، ومحمولا على الرأس والظهر لمن لا يملك دابة.
-تساعد في الحرث وفي السقي وفي جمع الثمار سواء أكانت ثمار الزيتون أو الأركان أو غيرها وتساعد في إعدادها للبيع، وتقوم بطحن الأركان لاستخراج الزيت وتبقي بعضه للبيت وتبيع ما فاض عن حاجتها في السوق.
– تساعد زوجها في نسج الزرابي والجلاليب وغيرها من الأشغال المماثلة ويقوم الزوج ببيعها في السوق…
– تساعد زوجها في ترميم البيت وجلب الجير لتجييره وغير ذلك من الأعمال… وتصلح كل الأشياء المتضررة داخل البيت وتجتهد في جعلها كما كانت مما يخلص الزوج من تكاليف الإصلاح…
هذا غيض من فيض مما كانت تقوم به هؤلاء النسوة العظيمات المجاهدات اللواتي ربين رجالا طردوا الاستعمار من هذا البلد … هؤلاء النسوة الماجدات هن كن أساس نهضة تلك البوادي والدواوير ، ومنهن عالمات ذكر بعضهن شيخنا المختار السوسي ، ومنهن صالحات ذاكرات وصوفيات قانتات أدركت بعضهن وأنا طفل صغير لا تفتر ألسنتهن عن ذكر الله ..
هذا غيض من فيض من الكد والسعاية في تنمية الرزق كما سماه علماؤنا الأفاضل وفقهاؤنا الأجلاء ،وقد أجادوا في وضع هذه التسمية … فقد كانت الأعمال الكدّية المتعبة مشاركة من الزوجة في تنمية اقتصاد الأسرة …
لكن للأسف نجد شخصا لا يحسن يقرأ من صحيفة مطبوعة ومشكولة يسمي كل هذا أعمالا منزلية!!!
ولو علمت هؤلاء النسوة العظيمات الصالحات أنه سيأتي يوم يقول فيه بعض العققة من أحفادهن : إن أعمال المنزل مساهمة في تنمية الثروة!! لفضلن ربما أن يكن عقيمات بدل أن يلدن أحفادا منتهى همتهم هو الأكل والشرب ومتابعة الأجنبي (الرومي) الذي حاربه أزواجهن وأبناؤهن وكنسوه من البلاد بلاد الشرفاء المقدسة!!
ولله الأمر من قبل ومن بعد..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.