في وداع الأستاذ الحسن اللحية رحمه الله
بقلوب يعتصرها الحزن، وبمشاعر وفاء وعرفان، ننعي إلى الأسرة التعليمية والحقوقية، وإلى كل الغيورين على المدرسة العمومية، وفاة الأستاذ الحسن اللحية، الذي غيبه الموت بعد مسار مهني ونضالي حافل بالعطاء والفكر والاجتهاد.
لم يكن الفقيد مجرد أستاذ عابر في منظومة التعليم، بل كان قدوة تربوية وصوتا نقديا شجاعا، جمع بين القيام بواجبه المهني داخل الفصل، والطموح المشروع في الارتقاء العلمي والبيداغوجي، إلى أن أصبح أستاذا بمركز التخطيط والتوجيه التربوي بالرباط، قادما من مدرسة ابتدائية قروية، في مسار يجسد معنى الاستحقاق والتدرج والنزاهة.
عرف الراحل بغيرته الصادقة على المدرسة العمومية، وبمواقفه الواضحة دفاعا عن كرامة نساء ورجال التعليم، وبحضوره الدائم في النقاش العمومي التربوي، سواء عبر كتاباته أو من خلال قناته “المطرقة” على اليوتيوب، التي جعل منها منبرا جادا للتنوير والتفكيك القانوني والبيداغوجي للسياسات التعليمية.
وكان آخر اجتهاداته الفكرية دعوته الجريئة إلى إعادة النظر في منظومة التفتيش، واستلهام تجارب دولية بديلة، واقتراحه دمج التخطيط والتوجيه في مسارات التكوين، بما يعكس تفكيرا استشرافيا ورغبة صادقة في إصلاح حقيقي لا شكلي.
كما انخرط الراحل بكل وعي ومسؤولية في الحراك التعليمي الأخير، محذرا من التداعيات القانونية الخطيرة لما سمي ب”تجميد النظام الأساسي”، حيث قدم تحليلا قانونيا عميقا ومسؤولا، موجها رسائل واضحة إلى الحكومة والنقابات الموقعة على صيغته الأولى، دفاعا عن المشروعية القانونية واستقرار المنظومة، ومؤكدا أن الإصلاح لا يبنى بالارتجال ولا بالشعارات الإعلامية.
برحيل الأستاذ الحسن اللحية، تفقد المدرسة العمومية أحد رجالاتها الصادقين، ويفقد النقاش التربوي صوتا نزيها علميا ومستقلا، لم يساوم يوما على قناعاته، ولم يتخل عن مسؤوليته الأخلاقية تجاه الوطن وأبنائه.
رحم الله الفقيد رحمة واسعة، وجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وألهم أسرته الصغيرة والكبيرة، وكل محبيه ورفاقه، جميل الصبر وحسن السلوان.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.