بياضة، يا بياضة ! أو حين “تهاجر الأمكنة إلى القلب»
باريس _ عبد الحق فيكري الكوش
من نافذة الذكرى، تتسرب أزقة حيّ بياضة بملامح شخوصها و وحركة بيوتها ودكاكينها، وضجيج أطفالها، كما لو أنه لم يغادرني قط هذا الحي الذي كبرت فيه واشتغلت فيه في مهن وضيعة.
مهن المقهورين والمعذبين في الأرض، أحمله أكياس النجارة إلى فران “حزينة” لأحصل على قطعة خبز وحلوى وخمس دراهم من أجل أن أشتري كتابا!
يعود إليّ درب “الكاك” لا بوصفه ساحة ضيقة من حجر وتراب، بل ككائن حيّ، يتنفس في داخلي، ويعيد ترتيب نبضي على وقع ذكريات لن تعود.
هناك، في أواخر الثمانينات وبدايات التسعينات، كان الزمن متوتراً كوترٍ مشدود، وكانت البلاد تدفع أبناءها دفعا، في صمت ثقيل، نحو المجهول: بعضهم إلى المخدرات، بعضهم إلى السجون، وبعضهم إلى أعطاب لا تُرى إلا في انكسار النظرات وشهادات السجل العدلي.
ومع ذلك، لم يكن الحي خراباً صرفاً، بل كان أشبه بندبة جميلة، مؤلمة ومضيئة في آن واحد.
أرى الإمام سي لحسن، يخرج من المسجد بجلبابه المغربي الأنيق، كأنه قطعة من الضوء تمشي على الإسفلت وخلفه المؤذن بلحيته الطويلة.
لم يكن “سي لحسن” فقيهاً فقط، بل كان درساً متحركاً في المصالحة بين ما كنا وما يمكن أن نصير إليه. ومن خلال أناقته الهادئة، وفي لباس بناته العصري، تعلمت، دون كتب ولا تنظير، أن الدين ليس قيداً على الحياة، بل أفقاً لها إذا أُحسن فهمه.
كان سي لحسن يشبه طائر النورس، لا لأنه يعلو المكان، بل لأنه يمنحه اتساعاً، يذكّرنا بأن السماء ليست بعيدة كما نظن.
وإذا أدرت بصري قليلاً، يطلّ عليّ “فرّان حزينة” بوهج ناره القديمة.
هناك تركت بعض شبابي بين العجين والرماد، مساعداً للمعلم العربي، أشتغل كي لا أثقل على حلم الدراسة. وكم من مرة اختلطت رائحة الخبز الساخن بأحلامي البسيطة!
كان الفرن مدرسة أخرى، لا في الحساب والنحو، بل في الصبر، وفي الإصغاء لصوت الحياة وهي تتخمر ببطء.
وفي الزاوية نفسها تقريباً، كانت الزاوية او الرباط، ملاذاً صغيراً للسكينة، حيث كنا نشرب الشاي المنعنع ونقضم المخمار المذهون بالزبدة أو زيت الزيتون، كأننا نمارس طقساً سرياً ضد قسوة العالم.
هناك، كان الزمن يتواضع، ويتنازل عن عجرفته، ليجلس معنا على حصير بسيط.
غير بعيد عن ذلك كله، كان بيت سي عبد الخالق، بيتاً يشبه وصية مفتوحة للأجيال: أن التعليم ليس ترفاً، بل خلاصاً. وأعتقد أن أول قاضٍ خرج من الحي خرج من ذلك البيت، كما تخرج الشمعة من الظلمة، لا لتبددها كلها، بل لتدلّ على الطريق.
ثم أرى التاجر “حزينة”، بهدوئه وأناقة تفكيره، كأنه كان يمشي دائماً بنصف صوت، ونصف فكرة. وأرى شقيقه، المنتخب والسياسي، بطربوشه الأحمر وجلبابه المغربي، صورة مركبة للسلطة حين تتأنس، وللشعب حين يحاول أن يتكلم باسم نفسه.
ولا يغيب عن الذاكرة ذلك المناضل، مبارك، الذي حمل جسده إلى السجن احتجاجاً على “قطار التنمية”، ذلك القطار الذي مرّ سريعاً فوق القرى والأحياء، ولم يتوقف إلا قليلاً عند فقراء الأرصفة.
كان مبارك واحداً من أولئك الذين دفعوا ثمن الكلام حين كان الصمت أيسر وأأمن.
وأرى البحّارة يحملون سللل السردين أو الخيبة أحيانا، والممرض سي عمر، والطلبة الجامعيين، وأرى مهر الحرفيين في زخرفة الخزف، وكلهم يتزاحمون في ذاكرتي كما تتزاحم الألوان في فسيفساء قديمة، لا يكتمل جمالها إلا بتجاور المختلف والمتناقض.
لكن الحي لم يكن بريئاً بالكامل. كان فيه المجرم وتاجر المخدرات، أولئك الذين وضعتهم الدولة، في لحظة ما، حراساً للحي بدل أن تكون حارسة له.
كانوا يمارسون الضبط باسم القانون، ويرهبون الناس باسم الأمن، إلى أن انقلب المشهد مع بداية التسعينات، وظهرت جماعات بلحى كثيفة واجتماعات تعقد بعد الصلوات الخمس، كأن الروح نفسها كانت تبحث عن شكل آخر للنجاة.
ورغم كل هذا، ظل حي بياضة يحتفظ بسرّه الجميل: قدرته على الجمع بين الحداثة والأصالة، بين الانفتاح والتحفظ، بين الحلم والانكسار.
كان مدرسة بلا جدران، تعلمنا فيها كيف نصير بشراً، لا ملائكة ولا شياطين، بل شيئاً بينهما، أكثر صدقاً.
واليوم، من هذا المنفى البعيد القسري، أستعيد وجوه الذين عبروا إلى الغياب أو إلى الموت، لا باعتبارهم أطيافاً باهتة، بل كحضور كثيف يسكنني.
و كل وجه منهم قطعة من اسمي، وكل ذكرى منهم حجر في البيت الذي أحمله معي حيثما ذهبت.
لقد تعلمت في حي بياضة أن الإنسان لا يُصاغ فقط في الجامعات وفي تحرير الرسائل والاطروحات، بل في الأزقة، وفي الأفران ، وفي الزوايا، وفي المساجد، وفي تلك النظرات العابرة التي تترك في الروح ندبة تشبه الوطن.