صامويل إيتو: صيحة احتجاج عقلانية
بقلم : ابراهيم كرو . في خضمّ الجدل المتصاعد حول قرارات الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (الكاف)، جاء تصريح صامويل إيتو، أحد أبرز رموز الكرة الإفريقية ورئيس الاتحاد الكاميروني لكرة القدم، ليكشف عمق الأزمة البنيوية التي تعاني منها المنظومة الكروية في القارة. لم يكن كلام إيتو مجرد انفعال عابر أو ردّ فعل عاطفي، بل صيحة احتجاج عقلانية، استخدمت السخرية اللاذعة لتعرية خلل قانوني وأخلاقي يهدد مصداقية اللعبة برمّتها.
تصريح إيتو ينطلق من مبدأ بسيط: إذا غابت العدالة، سقط القانون، وتحولت اللعبة إلى فوضى. حين يشير إلى “سابقة قانونية عجيبة”، فهو يلمّح إلى قرارات تسمح عمليا بتطبيع سلوكيات غير رياضية، مثل مغادرة الفرق لأرضية الملعب احتجاجا، ثم العودة لاحقا دون عقوبات رادعة. في منطق كرة القدم الحديثة، مثل هذا السلوك يُعد خرقا جسيما لقواعد المنافسة، لأنه يضرب مبدأ تكافؤ الفرص ويُدخل المباراة في متاهة العبث.
السخرية التي استخدمها إيتو، حين تحدث عن “احتساء كأس شاي وتشتيت تركيز الخصم”، ليست ترفا لغويا، بل أداة نقدية قوية. فهو يكشف التناقض الصارخ بين ما يُفترض أن تمثله كرة القدم من انضباط واحترام للقانون، وبين واقع قرارات تفتقر إلى الحزم والوضوح. فإذا أصبح الانسحاب المؤقت تكتيكا مشروعا، فما الذي يمنع الفرق من استغلاله نفسيا وبدنيا؟ وما الذي يبقى من روح المنافسة الشريفة؟
الأخطر في تصريح إيتو هو انتقاله من نقد سلوك الفرق إلى التحذير من انفلات الجماهير. حين يقول إن الجماهير قد تنزل إلى أرضية الملعب وتعتدي على رجال الأمن “ثم نواصل اللعب وكأن شيئا لم يكن”، فهو يدق ناقوس الخطر. كرة القدم الإفريقية تعاني أصلا من إشكالات أمنية وتنظيمية، وأي تساهل في فرض القوانين قد يحول الملاعب إلى فضاءات للفوضى، بدل أن تكون ساحات للفرجة والاحتفال الرياضي.
من زاوية أعمق، يعكس هذا التصريح أزمة ثقة متراكمة بين الفاعلين في كرة القدم الإفريقية والمؤسسات الوصية عليها. فالكاف، بوصفه أعلى هيئة كروية في القارة، مطالب بتكريس الشفافية والانسجام في قراراته، لا بفتح الباب أمام التأويلات المتناقضة. حين يشعر اللاعبون، الإداريون، والجماهير بأن القانون يُطبّق بانتقائية، فإن الشرعية الرمزية للمؤسسة تتآكل، وتتحول القرارات إلى مصدر صراع بدل أن تكون مرجعا للحسم.
إيتو، بما يحمله من رمزية تاريخية كلاعب أسطوري، وبما يشغله اليوم من موقع إداري، لا يتحدث من خارج المنظومة، بل من قلبها. وهذا ما يمنح تصريحه وزنا خاصا. فهو لا يهاجم إفريقيا كهوية، بل ينتقد ممارسات تعيق تطورها. قوله: “إفريقيا لن تتقدم” ليس حكما قدريا، بل تحذير مشروط: لن نتقدم إذا استمررنا في شرعنة الفوضى بدل بناء دولة القانون الكروي.
في المحصلة، يكشف تصريح صامويل إيتو أن أزمة كرة القدم الإفريقية ليست تقنية فقط، بل ثقافية ومؤسساتية. التقدم لا يتحقق بالشعارات ولا بتاريخ اللاعبين، بل بإدارة عادلة، وقوانين صارمة، وقرارات شجاعة تحمي روح اللعبة. ومن دون ذلك، ستظل كرة القدم الإفريقية تدور في حلقة مفرغة، مهما بلغ رصيدها من المواهب والنجوم.