مجلس آسفي الجماعي: من التمثيل الديمقراطي إلى إعادة إنتاج الأوليغارشية المحلية
بقلم: صلاح الدين موراحي حقوقي و مستشار جماعي
لم تعد أزمة التدبير المحلي في المغرب مرتبطة فقط بندرة الموارد أو تعقيد المساطر، بل أصبحت، في كثير من الحالات، أزمة توزيع سلطة داخل المؤسسات المنتخبة. فوجود مجلس جماعي منتخب لا يعني بالضرورة تحقق الديمقراطية المحلية، إذا كان القرار العمومي محتكرًا داخل دائرة ضيقة، تُفرغ باقي المنتخبين من أدوارهم التمثيلية. وهذا بالضبط ما يسميه علم السياسة بـ الأوليغارشية: حكم القلة داخل بنية يفترض أنها جماعية.
وفي هذا السياق، يحق للمتتبع أن يطرح السؤال حول ما إذا كان المجلس الجماعي الترابي لآسفي ما يزال يشتغل بمنطق المؤسسة التمثيلية، أم أنه انزلق عمليًا نحو إعادة إنتاج أوليغارشية محلية تُدبَّر فيها المدينة بعقلية النواة المغلقة لا بعقلية الشراكة العمومية.
الأوليغارشية، كما نظّر لها روبرت ميشيلز في “القانون الحديدي”، ليست حدثًا عرضيًا، بل مسارًا بنيويًا تميل إليه التنظيمات حين تتركز القيادة، وتتحول الشرعية الانتخابية إلى مجرد تفويض شكلي يُستثمر لإدامة السيطرة بدل تداول القرار. وعند إسقاط هذا المفهوم على مجلس آسفي، نلاحظ أن الفضاء التداولي يتحول تدريجيًا إلى مسرح تصديق لا مختبر سياسات عمومية.
فالقرارات الجوهرية تُهندس غالبًا خارج زمن الدورة، وتُقدَّم داخلها في شكل معطيات شبه منتهية، ما يجعل النقاش أقرب إلى التبرير منه إلى الإنتاج الجماعي للقرار. وهنا ينتقل المجلس من منطق “التداول العمومي” إلى منطق “الإخراج المؤسساتي”، حيث تصبح الدورات تقنية أكثر منها سياسية.
كما يُسجَّل تضييق عملي على أدوار المعارضة والمستشارين غير المنتمين لدائرة القرار، سواء عبر تجاهل الملتمسات، أو تأخير الأجوبة، أو تحييد المبادرات، في تناقض مع فلسفة القانون التنظيمي 113.14 التي قامت أصلًا على التوازن بين المكتب، واللجان، وباقي الأعضاء. فحين يُختزل المستشار في وظيفة رقمية داخل التصويت، يفقد التمثيل معناه، ويتحول الانتخاب إلى إجراء بلا مضمون.
ويزداد الخلل حين يُستبدل منطق المشروع الترابي بمنطق النفوذ السياسي داخل المجلس. فالأولويات لا تُبنى دائمًا على تشخيص علمي لحاجيات المدينة، بل على هندسة علاقات القوة داخل المؤسسة، وهو ما يخلق تنمية انتقائية بدل تنمية مجالية عادلة. وهنا لا تعود الجماعة فاعلًا تنمويًا، بل وسيطًا لإعادة توزيع الامتيازات.
كما أن استعمال المسطرة القانونية أحيانًا يتحول من أداة شفافية إلى أداة تحصين، حيث يُستدعى الشكل الإداري لتبرير القرار بدل فتحه للنقاش. وبذلك تنقلب القاعدة: بدل أن تحمي المسطرة النقاش، تحمي النتيجة منه.
سياسيًا، كلفة هذا النمط من التدبير مرتفعة. فهو ينتج عزوفًا رمزيًا، ويعمق فجوة الثقة بين الساكنة والمؤسسة، ويُضعف الرقابة الداخلية، ويحوّل المنتخب من فاعل اقتراحي إلى مجرد شاهد على قرارات لا يشارك في صياغتها. أما أكاديميًا، فنحن أمام تحول من نموذج الحوكمة التشاركية إلى نموذج الحوكمة النخبوية المغلقة.
الأخطر في الأوليغارشية المحلية أنها لا تُمارَس دائمًا بالعنف، بل بالاعتياد. إذ تتسلل إلى الممارسة اليومية حتى تبدو طبيعية، فيتحول المكتب المسير إلى “نواة صلبة” محتكرة للمبادرة، بينما يُعاد توزيع الأدوار داخل المجلس بمنطق الولاء لا بمنطق التمثيل والكفاءة.
من هنا، فإن مساءلة المجلس الجماعي لآسفي ليست مسألة أشخاص، بل مسألة نموذج تدبير. فالإصلاح يمر عبر إعادة الاعتبار لحق المستشار في المبادرة، واحترام الآجال القانونية للجواب، وتفعيل دور اللجان، وفتح النقاش العمومي الحقيقي داخل الدورات، وربط القرار بالتشخيص الترابي لا بالتوازنات الظرفية، وإشراك المجتمع المدني بوصفه شريكًا لا ديكورًا مؤسساتيًا.
إن الحديث عن الأوليغارشية داخل مجلس آسفي ليس تهمة سياسية، بل توصيف تحليلي لمسار إذا لم يُكبح، سيحوّل الجماعة من فضاء تمثيل ديمقراطي إلى بنية إعادة إنتاج للسلطة المحلية. فالديمقراطية لا تُقاس بعدد المقاعد ولا بصياغة المقررات، بل بكيفية توزيع القرار داخل المؤسسة. وكلما احتكرته القلة، فقدت الجماعة معناها العمومي.