حين تُلحّ الذاكرة
بقلم أحمد الحضاري
لا تزال الذاكرة تختزن مئات الصور الذهنية، التي قد يتحوّل بعضها إلى نمطٍ مقيمٍ في الروح.
صورٌ لا ترتبط بزمنٍ بعينه، بل تمتد على مساحة العمر كلّه، تُلحّ عليّ، أن أستخرجها، إلى الضوء، وأُشركها مع آخرين.
هي ذكريات طفولةٍ بعيدة، وأخرى من وهج الشباب، وأكثرها من مراحل عمر قد انقضى..
في ساعات الفرح، كما في أوقات القرح..
في لحظات الامتلاء، كما في مواسم الانكسار.
صورٌ لأماكن مررتُ بها، ومرّت بي..
أحياءٍ وأزقّة، منازلَ ومدارس، مدنٍ وشواطئ…
وكلِّ بقعةٍ تركتُ فيها شيئًا مني، وتركت فيَّ شيئًا منها.
إني أعلم علم اليقين، أن الكلمات، مهما أُحكم نسجها، تعجز عن الإحاطة بتلك العوالم،
وعن تقريبها بما يكفي حتى يراها من أثقله العمش.
لكنّ الذاكرة تُصرّ، كأنها تريد أن تقول إن ما عشناه لا ينبغي أن يذوب في صمت النسيان.
تلك اللحظات التي صنعت ملامح حياتي قبل الآن، وما تزال تصوغني لما قد يأتي…
وتلك المواقف التي غيّرت مسار حياتي..
وتلك النجاحات التي منحتني بعض المعنى، كما الإخفاقات التي علّمتني كيف تُصنع الحياة من شظاياها.
هي أيضًا حكاية علاقاتٍ إنسانية؛
ارتفع بعضها حتى لامس مقام الأخوّة، وانكسر بعضها حتى سقط في خطيئة القطيعة.
صديقٌ لا يُنسى، كأنه مكانٌ جميلٌ لا تغادره الروح، كسبتُه فكان ثمرة صفاءٍ إنسانيّ خالص،
وآخر طواه النسيان، فصار خبرُه من عداد ماضٍ ولّى…
أو من زمنٍ سحيقٍ لا يُستعاد.
ومع هذا التقدّم في العمر،
وصراع الذاكرة مع دواعي الشيخوخة، ووهن الجسد الذي يتسلّل على مهل…
تظلّ بعض الصور أكثر عنادًا من النسيان، تطرق باب الروح برفقٍ أحيانًا، وبإلحاحٍ أحيانًا أخرى،
وكأنها لا تطلب سوى أن تُروى…
لا لتُعيد ما مضى، بل لتمنح ما تبقّى معنىً أهدأ، وطمأنينةً تكفي لعبور ما بقي من الطريق.