“قطار” عبد الهادي يتوقف
عبد الله إمهاه
بين أحضان بساتين ” الحوفرت” و ذات صباح يوم أحد زمن
الثمانينات، وضعت مذياع أبي الأحمر على مشارف ساقية اخترقت ربوة في تمازيرت. كلفني والدي رحمه الله برعي الغنم في غيبته في السوق الاسبوعي.
صادفت برنامج “زهور” الصباحي على أثير الإذاعة الوطنية ووقع اختيار المذيعة على أغنية فعلت في السحر حينها، سيما جملة غنائية لم تفارق موسيقاها ولا كلماتها مسامعي إلى اليوم : ” لا زلت أذكر أنها كانت تصفف شعرها”.
في زمن الانترنيت بحثت فوجتها أغنية لعبد الهادي بالخياط عنوانها ” ميعاد” كتب كلماتها عبد الرفيع الجواهري و لحنها عبد السلام عامر، ذلك كان أول لقاء فني لي به كمستمع و أنا طفل..
في وجدان المغاربة رسخ نسق من عناصر الجمال متجسدا في ” عبد الهادي بالخياط” الفنان. أغانيه و ميزاته كفنان شكلت ذاك النسق الجمالي.
صوته الجهوري ذو المساحة الصوتية الممتدة، قراره الصافي، أداؤه الجميل و تصويره الصادق للمعنى، شخصيته القوية على الخشبة، كاريزماه و هيبته الفنية أمام الفرقة الموسيقية و أمام الجمهور المستمع.
تحتار أي أغانيه أجمل، يجد محب القصيد مأربه في ” القمر الأحمر” و ” الشاطئ” و ” ارحميني” و ” الأمس القريب”، و محب الأغاني الخفيفة نفسه في ” يا بنت الناس” الفلسفية و يلتقي الكل في رائعة ” قطار الحياة”.
تماسك المعاني و رصانة الكلمات و عمق المواضيع شكلت نقطة القوة الاساسية في أغانيه قبل صوته. بالطبع لملحنيه دور كبير في نجاحه و تلقي إبداعاته القبول. يكاد يحظى بإجماع فني للمغاربة.
تجد في أغانيه الفلسفة و خطاب الوجدان ” الصنارة” و ” البوهالي” و ” متاقشي بي” نموذجا.
أصالة الفنان و صدقه لا يمكن فصلهما عن شخصيته في أي من أعماله، تأمل مثلا ” يا طالعين الجبال” و ” المنفرجة”
ثم الاغاني الغزلية ” مامنك جوج ” ياداك الانسان” و” يا محبوبي”.
تلمس صدقه أيضا في بث شكواه في ” الصبر تقادى” و ” شوفو الهوى” و “فقلبي جرح قديم”
أطرب و أثث الفضاءات السمعية للمغاربة في كل مناسباتهم. حفظ الناس أغانيه و استعذبوها لأنها تشبههم و تعكس ما يجول في وجدانهم، و بلغة و بموسيقى يفهمونها لانها نابعة من هويتهم.
رحم الله الحاج عبد الهادي بالخياط الذي توقف قطاره.