سينما الأطلس حين كان الحلم ب(اعكيرة) عشرة ريالات
أحمد الحضاري
طيلة الأسبوع، كنتُ أنا ومن هم من جيلي نستجدي الأسرة لنحصل على خمسين فرنكًا، أو عشرة ريالات بلغة أهل آسفي.
كانت الغاية بسيطة وعظيمة في آنٍ واحد: ضمان مقعد بسينما الأطلس صباح كل جمعة أو أحد.
كان لفظ “اعكيرة” يتردد على ألسنة الأطفال واليافعين ككلمة سرٍّ لولوج القاعة بحي رحاة الريح الشعبي القريب من المدينة العتيقة.
واعكيرة التي لم نعرف متى أطلقت، وكيف صنعت، لم تكن سوى عشرة ريالات، لكنها كانت تفتح لنا باب عالمٍ كامل.
هذه السينما الشعبية التي كنا نسميها “الطليسة”، اختارت أن تمنح الفرجة بثمن يناسب أبناء الأحياء الهامشية، تحوّلت اليوم إلى متجر كبير لبيع الخضر.
حتى اسمها الذي كان يعلو الواجهة ويعلن هويتها، طُمِسَ بصباغة باهتة، رديئة، كأن الذاكرة نفسها أُريد لها أن تختفي.
روّاد الأطلس لم تكن تخطئ أنوفهم رائحتها المميزة، تمامًا كما لا تُخطئ الآذان موسيقى ومقاطع من أغنيات أم كلثوم المتسرّبة من الداخل.
وقبل اختيار مقعد بعيد عن جماعات “المشاغبين”، كان عشرات اليافعين يصطفون لاستخلاص تذاكرهم، ثم يُهيَّأ فوجٌ ثانٍ حين تمتلئ المقاعد.
غالبًا ما كانت الإدارة تعرض فيلمين:
واحدًا هنديًا، وآخر للكاراتيه.
وكان الأبطال من النوع الذي يعشقه الصغار، أولئك الذين منحناهم أسماءً خاصة: “مسيكف” و“بوگرن”.
أما حين يكون الفيلم من بطولة الظاهرة بروس لي، فالعثور على مقعد كان معجزة صغيرة.
الأفلام الهندية بدت لنا وكأنها تحكي حياتنا نحن، لذلك حفظنا موسيقاها وأغنياتها الحزينة عن ظهر قلب.
وكان العاملون يختصرون الأشرطة، فيعمدون لمسح التكرار والحوارات الطويلة، ليتركوا فقط ما يصنع الفرجة:
أن لا يموت البطل…
أن يدافع “الولد” عن نفسه وجماعته…
وأن تُهزم “الباندية” في النهاية.
كنا نخرج معتقدين أننا شاهدنا فيلمًا كاملًا، بينما لم نشاهد سوى نصفه، أو ثلثه.
وخارج القاعة، أمام السينما أو داخل الحي، كنّا نعيد تمثيل ما رأيناه:
تنشأ “مدابزات” نتقمص فيها دور البطل ضد العصابة،
وأحيانًا تتحول اللعبة إلى صراع حقيقي يزرع أحقادًا تكبر معنا.
وكثيرٌ منا حلم بتعلّم الكاراتيه، وبجسدٍ يشبه أجساد أولئك الأبطال الذين عبروا شاشتنا المفضلة، ثم عبروا طفولتنا كلها.
لكن لم تكن سينما الأطلس مجرد قاعة عرض، بل كانت مدرسة خفية علّمت جيلاً كاملًا كيف يحلم…
وكيف يتشاجر أيضًا.