جريدة إلكترونية مغربية

أسواق سيدي مومن المغلقة… حين يتحول “الإنجاز” إلى إسمنت بلا حياة

في مشروع السلام 1 و 2 بسيدي مومن، يقف الزائر أمام مفارقة تُجسد أزمة التدبير العمومي: ثلاث أسواق نموذجية مكتملة البناء، محكمة الإغلاق، وخارج الخدمة. بنايات حديثة تتوسط نسيجا عمرانيا كثيفا، لكنها أشبه بجثت معمارية لم تنفخ فيها روح الوظيفة.

 

الأمر لم يعد “تأخرا” يمكن تبريره بظرفية عابرة. استمرار التعطيل لسنوات حوّل الحالة إلى وضع شبه قار، يفرض سؤالا يتجاوز التسيير اليومي إلى منطق إنتاج المشروع العمومي برمته: هل نُشيّد لنُدشن، أم نُشيّد لنُشغّل؟

 

وجود ثلاث مرافق من نفس الطبيعة داخل نفس الحي، وكلها معطلة، يدفع للتساؤل عن سلسلة القرار كاملة. من صاغ الفكرة؟ على أي أساس حُددت الحاجة؟ من أنجز وسلّم؟ ثم: من كان يُفترض أن يُفعّل؟

 

بين لحظة قص الشريط ولحظة فتح الأبواب أمام التجار والساكنة، يبدو أن هناك فراغا مؤسساتيا ابتلع المشروع. فراغ سمح بأن يتحول استثمار عمومي بملايين الدراهم إلى طاقة مجمدة، لا تدر دخلا، ولا تحل مشكلا، ولا تخلق فرصة شغل واحدة.

 

ما يحدث يكشف عن مرض أعمق: انفصال “المشروع كفكرة” عن “المشروع كحياة يومية”. على الورق، الأهداف نبيلة: هيكلة التجارة، محاربة العشوائية، توفير فضاء لائق. على الأرض: أبواب موصدة، وتجار متجولون يفترشون الأرصفة المجاورة للسوق المغلق.

 

هذا الانفصال يطرح احتمالين لا ثالث لهما: إما أن هناك خللا فادحا في التدبير والتفويض بعد التسليم، أو أن المشاريع من أصلها لم تكن ملائمة لحاجيات الفضاء الذي وُضعت فيه. في الحالتين، النتيجة واحدة: تجميد للموارد، وإعادة إنتاج للفوضى التي جاءت الأسواق أصلا للقضاء عليها.

 

من الخطأ وصف الوضع بـ”التعثر”. التعثر يعني إمكانية التقدم بعد حين. أما هنا، فنحن أمام نموذج تدبيري يُنتج بنيات خارج وظيفتها. نموذج يقيس النجاح بعدد الأمتار المربعة المشيدة، لا بعدد الأسر التي تحسن دخلها بسبب المشروع.

 

فلسفيا، هذا هو موت الفضاء العمومي. عندما يفقد المبنى قدرته على التحول إلى ممارسة اجتماعية واقتصادية، يصبح مجرد “أثر مادي معلق”. حضوره الفيزيائي لا يضيف للمجال سوى صمته، ويتحول من حل إلى جزء من المشكلة.

 

في انتظار جواب رسمي يوضح مصير هذه الأسواق، يبقى سؤال سيدي مومن مفتوحا: كم من “مشروع سلام” آخر في المغرب مكتمل شكلا، ومعطل وظيفيا؟ ومتى ننتقل من ثقافة التدشينات إلى ثقافة التفعيل، حيث معيار النجاح الحقيقي ليس ما نبنيه، بل ما يجعل حياة الناس أفضل فعلا؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.