جريدة إلكترونية مغربية

العلوم الاجتماعيّة والرواية

إدريس الخضراوي

يتزايد اهتمام الباحثين والدارسين بالرواية خلال العقود الأربعة الأخيرة. وما يجعل من هذا الاهتمام أمرًا لافتًا ليس أنه نابع فقط من المشتغلين بالأدب كتًابًا ونقادًا، بل أيضًا من الباحثين من حقل العلوم الاجتماعيّة؛ كالتاريخ وعلم الاجتماع والجغرافيا والعلوم السياسية وغيرها. هذه العناية بالرواية والرواية التاريخية باعتبارها نوعًا أدبيًّا مخصوصًا تجد مشروعيتها وقيمتها، أولًا، في العدد المتزايد للنّصوص التي ظهرت منذ أواخر القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين، وثانيًا من الدراسات النقدية التي تطرح بشكل متزايد إشكالية تخييل التاريخ (la fictionnalisation de l’Histoire).

 

هكذا، يستطيع المتابع للأعمال التي صدرت منذ العقود الثلاثة الأخيرة، وللأعمال النظرية المعاصرة المعنية بالأدب، أن يلاحظ أن العلوم الاجتماعية باتت تخطو خطوة دالة باتجاه الرواية. أصبح واضحًا من خلال العديد من الكتابات النظرية – انظر برنار لائير (Bernard Lahire)، وآن باريير (Anne Barrière) ودانيلو مارتوكيلي (Danilo Martuccelli) على سبيل المثال لا الحصر-، أن فهم العالم المعاصر لم يعد ممكنًا بإدارة الظهر للرواية، أو بالاستمرار في النظر إليها على أنّها كتابة غير متجذّرة اجتماعيًّا، وغير حاملة معرفة موضوعية، وبالتالي واقعة في إسار الذاتية. بخلاف هذا المنظور، تبدو الرواية عملًا ملهمًا للعلوم الاجتماعيّة، فهي تشكّل مختبرًا (Laboratoire) لدراسة الحداثة، والأفراد والأوضاع والعالم. والرواية بوصفها شكلًا أدبيًا تتيح القيام بهذا الدور لأنها تكشف عن حدود بعض أشكال التفسير الاجتماعي، كما أنها تفسح المجال لبلورة أدوات جديدة للتحليل والتأويل. فأين تتمثل إذًا بعض مظاهر هذا التحول في الوعي بالرواية والرواية التاريخية؟ للإجابة عن هذا السؤال، أقترح التوقف عند مفكّرين بارزين: هايدن وايت من أميركا، وإفان جابلونكا من فرنسا.

 

هايدن وايت: التاريخ بوصفه كتابة

 

شكّلت أبحاث المؤرخ الأميركي هايدن وايت انعطافة قوية فيما يتعلق بتجديد المعرفة بالتاريخ، وفي تأكيد العلائق القائمة بين التاريخ والسّرد. ومنذ 1950 أطلق وايت سلسلة من الدراسات والمراجعات النقدية التي تناولت فلسفة التاريخ والعصر الوسيط الإيطالي. ولأهمية أعماله في تطوير التفكير في التاريخ في القرن العشرين، وجذرية الأسئلة التي تطرحها بخصوص العلائق بين التاريخ والسّرد، ترجمت إلى العديد من اللغات كالألمانية والإيطالية والإسبانية والبرتغالية والبولونية والروسية واليابانية والصينية والنرويجية والكورية والعربيّة – التي ترجم إليها مؤلّفاه: “محتوى الشكل: الخطاب السردي والتمثيل التاريخي” (2017)، و”ما بعد التاريخ: الخيال التاريخي في أوروبا القرن التاسع عشر” (2024)-، باستثناء الفرنسية التي ظلّ استقباله محدودا فيها، وقد أثار هذا الاستقبال المحتشم الكثير من الجدل كما أوضح ذلك فيليب كارار (Philippe Carrard) في الكتاب الذي كرسه لهايدن وايت بعنوان “التاريخ بوصفه كتابة” (Hayden White l’histoire s’écrit) وصدر عن مطبوعات السّوربون 2017.

 

شكّلت أبحاث المؤرخ الأميركي هايدن وايت انعطافة قوية فيما يتعلق بتجديد المعرفة بالتاريخ

 

ولد هايدن وايت عام 1928، وتوفي عام 2018. وتعدّ المرحلة التي أقام فيها في روما، بين 1953 و1956، من أخصب مراحل حياته إذ ستتيح له اكتشاف أعمال فيلسوفين إيطاليين كبيرين هما: جيامباتيستا فيكو (1668-1744) Giambattista Vico مؤلف كتاب “العلم الجديد: في الطبيعة المشتركة للأمم[1]”، وبينيديتو كروس (Benedetto Croce، 1866-1952) الوريث الشرعي لفكر فيكو، والمجدّد الأكبر للفلسفة المثالية الإيطالية في القرن العشرين. هذان الفيلسوفان سيكون لمنظوريهما حول البلاغة والفلسفة تأثير حاسم في نظرية هايدن وايت عن التقاطعات بين التاريخ والسرد.

 

خلال المرحلة الممتدة من عام 1973 إلى 1987 سيترأس وايت مركز العلوم الإنسانية في جامعة “ويسليان” في ولاية كونيتيكت الأميركية. في هذه الجامعة سيلتقي وايت بالفيلسوف لويس مينك (1921–1983) (Louis Mink) الذي اهتمّ أساسا بالطبيعة المعرفية للسّرد، ومن ثم سيشرع وايت في تقديم تصوراته حول دور السّرد في الخطاب التاريخي، وبصورة عامة في انتظام التجربة الإنسانيّة، وهي الفكرة التي سيتردّد صداها بقوة في أعمال فيلسوف فرنسي شهير هو بول ريكور الذي سيكرّس أعمالًا انعطافيّة تستكشف العلاقة بين التاريخ والسرد مثل “الزمان والسرد” (في ثلاثة أجزاء)، و”الذاكرة، التاريخ، النسيان”. وتكمن أهمية وايت في النّقاش حول العلاقة بين الأدب والتاريخ في تصوره عن التاريخ باعتباره كتابة. ولهذا مارست أعماله منذ 1980 تأثيرا واسعًا في العديد من الباحثين في المجال الأنغلوساكسوني، بل إنّها دفعت الكثير من الباحثين إلى استجواب أثر الكتابة في أعمالهم، وعلى سبيل المثال في الأنثربولوجيا (كليفورد غيرتز، 1986)، وعلم الاجتماع (براون، 1986)، والقانون (جيمس بويد وايت، 1985)، والاقتصاد (ماكلوسكي [1985-1990]).

 

“فهم العالم المعاصر لم يعد ممكنًا بإدارة الظهر للرواية، أو بالاستمرار في النظر إليها على أنّها كتابة غير متجذّرة اجتماعيًّا، وغير حاملة معرفة موضوعية، وبالتالي واقعة في إسار الذاتية”

 

لقد أثارت أفكار وايت عن التماثل بين التاريخ والسّرد، المؤسسة على القول الشهير لرولان بارت والذي مفاده أن الواقعة لا وجود لها إلا من خلال اللغة، جدلًا واسعًا، والكثير من سوء الفهم. يرى وايت أن الدافع إلى السّرد طبيعي جدًا، كما أنه لا غنى عن الشكل السّردي في أي عرض حول الكيفية التي حدثت بها الأشياء فعليًا[2]. بهذا القول، لا يعدّ وايت السرد مشكلة بالنسبة للمعرفة، بل “يمكن اعتباره حلًا لمشكلة ذات اهتمام إنساني عام، والمتمثلة في كيفية ترجمة فعل المعرفة إلى القص، مشكلة صياغة التجربة الإنسانية بشكل قابل للاستيعاب في بنى المعرفة التي تكون ذات طابع إنساني عام بدل أن تكون خاصّة بثقافة معينة”[3]. بالنسبة لوايت، ليس التاريخ استرجاعًا محايدا للماضي، بل هو بناء سردي يستخدم الأدوات نفسها التي نلفيها في الرواية والأدب. لا توجد الواقعة التاريخية إلا من خلال النقل الذي يتم عنها، إذ إن جوهرها يكمن في كفّها عن الوجود بمجرد انتمائها إلى الماضي، لتصبح موضوعًا للذاكرة وللتاريخ.

 

الملاحظ أن وايت يؤججّ هذا النقاش ليس فقط من خلال تعريفه للعمل التاريخي على “أنه بنية لغوية في قالب سردي نثري، تزعم تمثيل بنيات ومسارات تاريخيّة غابرة، ونمذجتها، وترميزها، وذلك بهدف جعل الماضي مفهومًا”[4]، وإنّما أيضًا من خلال العناوين التي وضعها لبعض نصوصه مثل النص التاريخي بوصفه أثرًا أدبيّا The Historical Text as a Literary Artifact وتخييلات التمثيل الواقعي The fictions of Factual representation. لم ينكر وايت أبدًا الفروق الأنطولوجيّة والإبستمولوجية والتداولية بين الرواية والدراسة التاريخيّة المعدّة وفق قواعد البحث العلمي. أما مصطلح Artifact فيعني، عند وايت، أن النص التاريخي له الوضع الاعتباري للخطاب كأي نص آخر. إنّه شيء يتعين أن يمرّ بمرحلة الصياغة. وما يشدّد عليه وايت هو أن المعطيات التي تكون بحوزة المؤرّخ لا تتحول إلى نص بالصدفة، بل ينبغي تحويلها إلى موضوع لساني منظم، وبالتالي كتابتها وفق الأعراف الخطابية الخاصّة بالنوع أي الدراسة التاريخية.

 

ينتقد جابلونكا بالتحديد مفهوم الصرامة الأكاديمية الذي انتهى بالتاريخ لأن يصير حقلا جافًّا

 

يشدّد وايت على أن النّصوص التي لها الوضعيّة الاعتباريّة ذاتها للتمثيلات الواقعيّة تعدّ تخييلات. وبالتالي، فمصطلح التخييل لديه مشتق من الأصل اللاتيني fingere الذي يعني شكّل أو صاغ، وليس التخييل المحض (imaginer de toute pièce). بهذا المعنى، تعدّ الدراسات التاريخية في منظور وايت تخييلات، لأنها مثل أي نصّ آخر ينبغي أن تخضع للصياغة، وفق بعض النماذج السرديّة. وعندما يجعل وايت من الدراسة التاريخية تخييلًا، فإنه لا يهتم بالخصائص النصية التي يمكن أن تميز الخطاب الواقعي عن الخطاب التخييلي على مستوى البنية السطحية: أي التلفظ والقول. إن ما يهمّ وايت هو مستوى التحبيك (mise en intrigue) الذي يتعين بوصفه النقطة التي يتجلى فيها بقوة المظهر التخييلي للتاريخ، فالمؤرخ لا يستطيع تقديم معطياته في مظهرها الخام، بل عليه أن ينظمها ويصوغها وفق أنماط هي ذاتها الأنماط المعتمدة في النصوص ذات الخاصية السردية. هكذا يشدد وايت على أن المؤرخ هو منتج نص، ومن ثم فهو ليس مسؤولًا فقط عن الأحداث التي يستعيدها، وإنّما أيضًا عن النماذج البنيوية، وبصورة عامة عن اللغة التي اختار أن يستعملها. فاللغة ليست شفافة، ولا هي بريئة، إنّها لا تعكس الحقيقة بل تنظمها، ولذلك فإن الاختيارات المتبناة في هذا المجال لها استتباعاتها السياسيّة والإبستمولوجية التي لا يمكن للمؤرخ أن يتجاهلها.

 

عندما يؤكد وايت على أهمية مظهر الكتابة بالنسبة للتاريخ، فإنه بذلك ينبّه على الوظيفة المرجعية للتخييل. من المؤكد أن الروائي لا يقيم ميثاق الحقيقة نفسه مع القارئ كما يفعل المؤرخ. فليس ذا أهمية على الإطلاق بالنسبة لقارئ الرواية أن يتساءل مثلًا ما إذا كانت مدام بوفاري بطلة فلوبير قد أنهت حياتها بتناولها جرعة قاتلة، أو ما إذا كانت قد فعلت ذلك بوسائل أخرى. بالنسبة لوايت، فالسرديات التخييلية لا تسهم في بناء المعرفة بتقديم وقائع أو حقائق يمكن التأكد منها، بل إنّها تحيلنا على مواقف وإشكاليات تتميز بها مرحلة معينة.

 

ورغم أن أفكار وايت اعتبرت الأقلّ استقبالًا في فرنسا، فقد أثارت نقاشًا جوهريًا في حقل كتابة التاريخ، بفضل انفتاح مؤلفين ونقاد، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: بول ريكور، روجيه شارتييه، برنار لوبتيه، جاك رانسيير، وأنطوان بروست؛ تلاهم باحثون شباب، مثل إفان جابلونكا، والقائمين على مجلة “لابيرانت” (Labyrinthe)، التي نشرت في عددها 33 (عام 2009) ترجمة لمقدمة كتاب “ما بعد التاريخ” تحت عنوان “شعرية التاريخ”.

 

إفان جابلونكا: التاريخ أدب معاصر

 

في عام 2014، أصدر المؤرّخ الفرنسي إفان جابلونكا، أستاذ التاريخ في جامعة باريس الثامنة، كتابًا بعنوان “التاريخ أدب معاصر” بيان من أجل العلوم الاجتماعية عن دار سوي الفرنسية. ولم تمض سوى ثلاث سنوات حتى ظهر الكتاب عام 2017 في طبعة جديدة، لكن هذه المرّة ضمن السلسلة الشهيرة “Points” التي تصدر عن الدّار نفسها، ما يعكس الاهتمام والتلقي اللذين حظي بهما هذا الكتاب في الأوساط البحثية ذات العلاقة بحقل التاريخ أساسًا، ليس في فرنسا فحسب وإنّما خارجها أيضًا. فما هي الرسالة التي يريد جابلونكا إبلاغها؟

 

يشدّد الباحث منذ البداية على ما يعتبره مفارقة واضحة في حقل الدراسات التاريخية. ففي الوقت الذي يشهد هذا الحقل نزوعًا نحو الطابع التخصصي الضيق الذي استمرّ منذ نهاية القرن التاسع عشر، وما تمخض عنه من تقدّم ملحوظ على مستوى المنهج، فإن ثمة مظهرًا آخر من التقهقر على مستوى الشّكل لا يمكن إنكاره. هذا التقهقر يتمثل فيما يسميه جابلونكا “تراجع العاطفة والمتعة” (une régression d’émotion et de plaisir). هل يعني هذا أن إفان جابلونكا يريد من المؤرخ أن يصير روائيًّا؟ وهل يمكن للروائي أن يحل محلّ المؤرخ؟

 

ينتقد جابلونكا بالتحديد مفهوم الصرامة الأكاديمية الذي انتهى بالتاريخ لأن يصير حقلا جافًّا. وعلى هذا الأساس، فإذا كان نقص العاطفة يُلمعُ بكون الباحث أضحى يمنع نفسه من استخدام ضمير المتكلم “أنا”، ومن إظهار حساسيته الخاصة إزاء الأرشيف، ظنًا منه أن الحياديّة هي الضمانة الوحيدة للحقيقة، فإن تراجع المتعة يشير إلى الانتقال من تاريخ “موجه إلى الجمهور الواسع” (مثل تاريخ ميشليه في القرن التاسع عشر) إلى تاريخ تقني بحت، يصعب أحيانًا حتى على المختصين قراءته.

 

يستعيد جابلونكا مفهوم السرد الحقيقي (roman vrai) الذي سكّه المؤرخ بول فاين في كتابه “كيف نكتب التاريخ”

 

هكذا يدعو جابلونكا إلى الربط بين البحث في العلوم الاجتماعية والبحث الأدبي. ومن ثم يشدّد على أهمية التخلي عن التحديدات السّابقة المؤسسة على إقامة تضادّ بين التاريخ والأدب، أي على تحديد التاريخ انطلاقًا من الوقائع (faits)، والأدب من خلال التخييل (fiction). إن الاعتراف بالمؤرّخ بوصفه محققًا (enquêteur) أو باحثًا استقصائيًا، وبالتاريخ باعتباره تحقيقًا (enquête) له ارتداداته الأدبية على مستوى المنهج: استعمال الضمير المتكلّم “أنا” الذي يعيّن الموقع الذي من خلاله يتم التحدّث، وسرد قصة التحقيق الذي أنجز، والتحرك جيئة وذهابًا بين الحاضر والماضي، واختلاق محكيات من أجل فهم الواقع، والتموضع في الموقع الصحيح بين المسافة والتماهي، والبحث عن الكلمات الملائمة، وإتاحة موقع ملائم للغات الخاصّة بالناس الذين تمت مقابلتهم سواء أكانوا على قيد الحياة أو رحلوا.

 

هذه العناصر التي يشدّد عليها جابلونكا بالنسبة للمؤرخ، نلاحظ أنّها في جملتها تتجذّر في مفهوم الأدبية (la littérarité) أي بمعنى ما يجعل من نصّ ما نصًّا أدبيًّا، فضمير المتكلّم يضفي التذويت (la subjectivation) أي النظر إلى العالم من خلال مرايا الذات. كما أن الجمع بين صرامة البحث ووضع الافتراضات المنهجية موضع تأمّل ومساءلة يدفع الباحث إلى أخذ الكتابة مأخذ الجد. وهكذا يتبيّن مع جابلونكا أن التاريخ والأدب يتقاطعان ويتداخلان ويستمد أحدهما من الآخر. فالتاريخ قبل أن يكون مبحثا جامعيًّا، هو رحلة هائلة في الزمان والمكان، وتحقيق مؤسّس على المنطق، كما أن الأدب يتعين بوصفه عملًا على اللغة، وتشكيلًا سرديًّا، وصوتًا متفردًا، وشعورًا، وبيئة وإيقاعًا ونزوعا نحو الآخر، ومعتمدًا مكرّسًا (Canon) مشكّلا من خلال المؤسّسات. إن المنطق الواقع في صميم عملية بناء المعرفة وانتقالها، هو ذاته الكائن في صميم عملية الكتابة، ونبض النص. وعلى أساس هذا التقاطع، يرى جابلونكا أنه في الإمكان خلق أشكال جديدة لعلوم اجتماعية للقرن الواحد والعشرين.

 

لإعطاء هذا التركيب القوة الاستدلالية يستعيد جابلونكا مفهوم السرد الحقيقي (roman vrai) الذي سكّه المؤرخ بول فاين في كتابه “كيف نكتب التاريخ”[5]. هذا المصطلح إذا كان يشير بقوة إلى أن المؤرّخ يحكي، وأن التاريخ يعدّ قصّة، فإنه من جهة أخرى يفكك المنظورات التقليدية التي تنكر أي علاقة للتاريخ بالكتابة. لذلك يتساءل جابلونكا عما إذا كان قد آن الأوان لتمكين المؤرخين وعلماء الاجتماع من مختبرات للكتابة؟ وهو بذلك يجد سندًا حقيقيًّا في عمل كثير من الأنثربولوجيين الذين تشكّل الكتابة أو شعرية النص انشغالًا حقيقيًّا لديهم: مالينوفسكي، ليفي ستروس، ميشيل ليريس، كليفورد غيرتس، جيمس كليفورد وغيرهم. إن علاقة الباحث بموضوع البحث تعدّ جزءًا لا يتجزأ من البحث. وبناء عليه، لا يمكن تجسيد نظرية في نص، أو تحقيق ضمن قصة من دون الاهتمام بالكتابة.

 

*****

 

يُظهرُ الاهتمام بالأدب من قبل باحثين من حقول أخرى كالعلوم الاجتماعية أن الرواية والرواية التاريخية أساسًا بعيدًا عن كونها خطابًا يقع في منطقة توتر بين الخيال والحقيقة، فإنها تزودنا بمعرفة موضوعيّة لا غنى عنها بشأن مصيرنا، كما أنّها تستجيب بذلك لحاجة عميقة للوعي الحديث. تبتكر الرواية تاريخًا “آخر”؛ فبناءً على حقبة زمنية محددة وأحداثٍ مؤكدة الوجود، يدخل الاستيهام الروائي في جدلية الحقيقة والاختلاق التي تحكم إعادة بناء التاريخ من خلال الرواية، وفي استكشاف “المحتمل” (Vraisemblable) بوصفه عنصرًا ديناميكيًا، وفي البحث الجمالي عن كتابةٍ تستوعب تعقيد التاريخ وتملأ فجواته. لهذا اعتبر لوكاتش أن “الرواية التاريخية رواية الحاضر، ويعيشها المعاصرون بوصفها تاريخهم السّابق بالذات”[6].

 

* كاتب من المغرب.

 

هوامش:

 

[1] تتوفر ترجمة عربية لهذا الكتاب أنجزها أحمد الصمعي، وصدرت عن دار أدب للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية 2022.

[2] هايدن وايت، محتوى الشكل: الخطاب السردي والتمثيل التاريخي، ترجمة نايف الياسين، هيئة البحرين للثقافة والآثار، المنامة 2017، ص27.

[3] المرجع نفسه، ص28.

[4] Hayden White, « Poétiques de l’histoire », Labyrinthe [En ligne], 33 | 2009 (2), mis en ligne le 23 octobre 2011, consulté le 22 avril 2026. URL : http://journals.openedition.org/labyrinthe/4029 ; DOI : https://doi.org/10.4000/labyrinthe.4029

[5] تتوفر ترجمة عربية لكتاب بول فاين “كيف نكتب التاريخ” صدرت عن المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات في قطر عام 2021، أنجزها سعود المولى ويوسف عاصي.

[6] جورج لوكاش، الرواية التاريخية، ترجمة صالح جواد كاظم، دار الطليعة، بيروت 1978، ص89.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.