جريدة إلكترونية مغربية

داميا ومدينة الظلال

لطيفة بنعاشير

 

في تلك الليلة، لم تكن القنيطرة مدينة عادية.

بدت كأنها خرجت للتو من رواية قديمة نسيها كاتبها فوق رف مهجور. كانت الأضواء المعلقة فوق الشوارع تشبه نجوما هاربة قررت أن تعيش بين البشر، وكانت الأرصفة تتنفس تحت أقدام العابرين، بينما كانت المدينة ترتدي وجهها الغامض الذي لا يظهر إلا بعد منتصف الليل.

حين غادرت داميا محطة القطار، كان حاتم ينتظرها عند المدخل.

كعادته، كان يحمل في ذاكرته حكايات أكثر مما يحمل في جيوبه من نقود، أما هي فكانت تحمل أسئلة أكثر مما تحمل أجوبة.

سارا معا بين الشوارع المضيئة، يتحدثان عن السينما والحياة، وعن الحكايات التي تضيع قبل أن تجد من يرويها.

وفجأة، لفت انتباههما مشهد غريب.

قرب بوابة حديدية عملاقة، جلس عدد من الأطفال في صمت، لم يكونوا يشبهون الأطفال الآخرين.

كانت في أعينهم لمعة غامضة، كأنهم يخفون خرائط لمدن لا يعرفها أحد، وكانت ثيابهم مغطاة بغبار أسفار طويلة لا يتذكرون بدايتها.

اقتربت داميا من أحدهم وسألته:

– من أين جئتم؟

رفع الطفل رأسه، وابتسم ابتسامة صغيرة.

ثم أشار نحو الأفق وقال:

– من مدينة النسيان.

نظرت داميا إلى حاتم باستغراب.

أما هو فاكتفى بالقول:

– إنهم الأطفال الذين أضاعوا أحلامهم في الطريق.

وقبل أن تطرح سؤالا آخر، ظهر حراس المدينة.

لم يكونوا جنودا كما في القصص المعتادة، بل رجالا يرتدون معاطف زرقاء تتلألأ تحت ضوء القمر، ويحملون مفاتيح ذهبية ضخمة.

كانت مهمتهم البحث عن الأطفال التائهين وإعادتهم إلى الأبواب التي خرجوا منها.

فتح أحد الحراس كتابا كبيرا يشبه كتب السحر القديمة.

وما إن فتح صفحاته حتى انطلقت منه طيور من نور، راحت تحلق فوق رؤوس الأطفال.

بدأت الأسماء تتوهج بين السطور.

اسما بعد اسم، وحلما بعد حلم حتى وجد كل طفل طريق العودة إلى الحكاية التي ينتظره فيها من يحبونه.

تابعت داميا المشهد بإعجاب، لكن شيئا آخر جذب انتباهها.

في الطرف البعيد من الشارع، كانت ظلال بشرية تتجول بلا وجهة.

رجال ونساء وشباب وشيوخ.

يتحدثون مع الريح.

ويضحكون لأشخاص لا يراهم أحد، ويبكون على أوجاع لا يفهمها أحد.

سألت داميا بصوت خافت:

– من هؤلاء؟

تنهد حاتم وأجاب:

– هؤلاء سكان المتاهة.

– وأين تقع هذه المتاهة؟

ابتسم بحزن وأشار إلى رأسه.

ففهمت.

كانوا أشخاصا ضاعوا داخل عوالم لا يراها الآخرون.

يسيرون في الشوارع نفسها، لكنهم يعيشون في مدن أخرى، لا وجود لها إلا داخل عقولهم.

اقتربت داميا أكثر.

فرأت امرأة تطارد فراشة غير مرئية.

ورجلا يحاور القمر كأنه صديق قديم.

وشابا يبني كل ليلة قصرا من الهواء، ثم يهدمه مع أول خيط للفجر.

شعرت أن المدينة تحولت إلى مسرح كبير.

بعض الممثلين يعرفون أدوارهم جيدا.

وبعضهم نسي النص منذ زمن طويل.

واصلت السير، وكانت المدينة تزداد غرابة كلما اقترب الفجر.

الأرصفة تتحول إلى أنهار من الضوء.

والنوافذ إلى عيون تراقب المارة.

والساعات إلى طيور سوداء تلتهم الوقت وتطير بعيدا.

حينها سألت داميا:

– لماذا يترك هؤلاء وحدهم في المتاهة؟

نظر حاتم إلى السماء طويلا قبل أن يجيب:

– لأن كثيرين يخافون مما لا يفهمون.

ثم أضاف:

– لكن كل متاهة تحتاج إلى من يحمل مصباحا، لا إلى من يلعن الظلام.

عند اقتراب الفجر، عادت داميا إلى محطة القطار.

كانت المدينة تستعد للنوم.

أما هي فكانت تستعد للاستيقاظ.

وقبل أن تصعد إلى القطار، التفتت خلفها للمرة الأخيرة.

فرأت الأطفال وقد عادوا إلى أبواب حكاياتهم.

ورأت بعض سكان المتاهة يبتسمون وسط الضباب، كأنهم وجدوا للحظة قصيرة طريقا نحو الضوء.

عندها أدركت حقيقة واحدة:

– ليس أقسى أنواع الضياع أن تفقد الطريق.. بل أن تظل واقفا بين الناس، بينما يتوقف الجميع عن رؤيتك.

تحرك القطار ببطء، وتراجعت مدينة الظلال خلف النافذة شيئا فشيئا.

لكن سؤال داميا ظل معلقا في الأفق، ينتظر جوابا من عالم أكثر رحمة:

– متى يصبح كل تائه حكاية تنقذ، بدل أن يتحول إلى ذكرى ينساها الجميع؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.