جريدة إلكترونية مغربية

الفن و الدين – عبدالوهاب الدكالي و الاعتزال –  

عبد الله إمهاه

إعلامي و مدير المعهد العالي للصحافة و الإعلام بمراكش

 

 

لن نتعرض لتدينه الشخصي و لعلاقته بربه لأنها شأن يخصه ولا اطلاع لنا عليه وليس دورنا دور قضاة يحاكمون الناس إلا أن نذكر موتانا بخير و نطلب الرحمة لهم.

لكن يجمل بنا أن نقرأ مسيرته الفنية و مختلف أوجه إبداعاته و ما تحمله من مظاهر الجمال شكلا وجوهرا.

 

قال الدكالي في معرض حديث للصحافة : لن أتخل عن الغناء أبدا، و سأبقى أغني حتى آخر رمق من حياتي، لأن هذا الفن أكرمني، و أعطاني هذا الرزق ( و أشار إلى مايؤثث متحفه موحيا إلى مسيرة حافلة بالعطاء و الأخذ ) الاعتزال خيانة !

 

ثارت ثائرة “حماة الدين” : ألم نقل لكم إن الفن لاسيما الموسيقى و الغناء طريق تؤدي إلى الهاوية ؟ أرأيتم ما يقول هذا المغني الذي لم يتب ولا يحدث نفسه بالتوبة و بالاعتزال إسوة برفيق دربه عبد الهادي بالخياط ( رحمهما الله) ؟ أسمعتم كيف يؤله الفن و يتخذه ربا يرزقه و يشكر ؟ أرأيتم الشرك ؟ أعوذ بالله !

 

في معرض تدوينة سابقة قلت أنه يجب الفصل بين اعتزال الفن من جهة و اعتزال السوء و الفاحشة و الرذيلة من جهة أخرى، اعتزال الفن اختيار شخصي ضمن اختيارات حياتية كثيرة، لا هي واجبة ولا مستحبة ولا هي مكروهة ولا مذمومة، و هو حق شخصي كتغيير السكن و أسلوب اللباس و نمط الحياة عامة.

قد يعتزل الفنان ممارسة الفن ولا يعتزل الفن … قد يتوقف عن إنتاج الجديد من الفن و لا يتبرأ مما أنتجه من الفن… (بالخياط بالمناسبة لم يتبرأ من فنه).

قد يعتزل المطرب الغناء لأن صوته و جسده أصابهما العياء، و يفضل ترك الصورة في أذهان الناس في أفضل حللها. و قد يعتزله بسبب تملكه إحساسا ببلوغ قدرته على الإبداع مداها، اختيار !

 

أما اعتزال السوء و الفاحشة و الرذيلة فواجب فردي و مطلب مجتمعي آني لكف الأذى عن النفس و عن المجتمع.

هل الرذيلة لصيقة الفن بالضرورة ؟ لا أبدا.

هل خالط الفساد الغناء و الموسيقى عبر الأزمان، نعم بالتأكيد، لكن كذلك السياسة و الاقتصاد و غيره، و حتى التدين حتى لا نقول “الدين”.

هل الأجواء المحيطة بممارسة بعض الفنون كالموسيقى و الغناء و السينما و الرقص يسهل معها الانحراف عن طريق الجادة ؟ للنقاش.

من في نفسه مرض سيظهر مرضه في الفن و في غيره، في التجارة في السياسة في الدين في الرياضة و في كل مجال يلجه.

من اعتزل الفن في المشرق و في المغرب و اعتبر اعتزاله “توبة” أراه مخطئا، و خطؤه راجع لسوء تقديره لماهية الفن و لوظيفته. قد يكون ضحية لفتاوى أو بالأحرى لآراء بعض الوعاظ الذين يحرمون الموسيقى و الغناء على الإطلاق و هم مجانبون للصواب لا شك، وشرعية الموسيقى و الغناء موضوع طويل بحثنا فيه كثيرا في التسعينات من القرن الماضي و اطلعنا على اراء المتقدمين و المتأخرين.

عندما قال الدكالي : الفن اكرمني، و اعطاني هذا الرزق فهو مثل قولك أبي اعطاني مالا، وأمي منحتني الحياة، أو الجامعة منحتني الفرصة، او الرياضة اعطتني، أو الوزارة منحتني، و رجل الإطفاء أنقذني، و الجمعية كرمتني، و انت في قرارة نفسك تعرف ان المعطي و الرازق و المنقذ و المانح و المكرم على وجه الحقيقة هو الله، و أنه يصرف أفعاله سبحانه على أيدي الناس.

 

لم يعتزل الدكالي أولا لان خياره الا ينقطع عن الغناء و هذا حقه، ثانيا لأنه لا يرى فيه سوءا ولا حراما حتى يعتزله، بل يعتبره رسالة شريفة وجب الوفاء بتبليغها إلى آخر رمق، فلسفة…

أقول هذا و كنت أفضل أن يتوقف عن الغناء في سنواته الأخيرة على الأقل في المحافل الرسمية تجنبا للنشاز الواضح في أدائه الغنائي و في عزفه بسبب تقدمه في السن.

في حديثه تسمع عبارات دارجة في كلامه “بحول الله و قوته”، و يذكر رسول الله، و في نصوصه الغنائية كثير من التأكيد على القيم الدينية، مثال : مالك هكذا يا إنسان، كان يامكان، … بل يستلهم الكثير من المعاني من المدرسة الصوفية و عبر عن هذا في أحد حواراته.

و تبقى “الله حي” أكبر عمل فني يجسد بجلاء ارتباطه بالغيب، من خلال تأكيده على وحدانية الله و أزليته و دوام وجهه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.